فهرس الكتاب
والإنسان أيها الأخوة, مطلوبٌ منه أن يكون طموحًا، فبإمكانك أن تأخذ الحد الأدنى فلا تؤذي أحدًا، وتبتعد عن أن تعتدي على أحد، من بيتك إلى عملك، تؤدِّي صلاتك، وتدفع زكاة مالك، تغض بصرك، تحسن إلى جيرانك، هذا مستوى, لكن هناك مستوى أعلى وأرقى؛ أن تساهم في نشر هذا الدين، أن تسخِّر كل إمكاناتك، في الدعوة إلى الله، أن تجعل من شخصك مثلًا أعلى للناس، أن تنفق المال في سبيل الله، لا أن تنفقه في المباحات، أن تجعل من وقتك كلِّه وقتًا مستغلاًّ في سبيل الله, وقتًا مكرَّسًا للدعوة في سبيل الله.
سيدنا عقبة بن عامر الجُهني، صحابيٌ جليل، له غنيمات، يحرص عليها حرصًا بالغًا، كان يرعاها خارج المدينة، ثم خطر في باله، أن يلتحق برسول الله صلى الله عليه وسلَّم, ... فالنبي عليه الصلاة والسلام، يبلغ مشارف المدينة، في الهجرة، ونحن في ذكرى الهجرة هذه الأيام، وها هم أولاء أهل المدينة الطيبة يتزاحمون على الدروب، وفوق السطوح، مهلِّلين مكبِّرين فرحًا بلقاء النبي صلى الله عليه وسلَّم، نبي الرحمة، وصاحبُه الصدِّيقُ، وها هن الفتيات الصغيرات، ينشدن:
طلَعَ الْبَدرُ عَلَينَا ... منْ ثَنِياتِ الوَداع
وَجَبَ الشُكُرُ عَلَيِنَا ... مَا دَعَا للّهِ دَاع
وهذا موكب النبي الكريم، يتهادى بين الصفوف، تحفُّه المهج المشتاقة، وتحيطه الأفئدة التوَّاقة، وتنثر حواليه دموع الفرح، وبسمات السرور.
لكن عقبة بن عامر الجهني لم يشهد موكب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ولم يسعد باستقبالِهِ مع المستقبلين، ذلك أنه كان قد خرج إلى البوادي بغنيماتٍ له ليرعاها هناك، بعد أن اشتد عليها السغب، وخاف عليها الهلاك، وهي كل ما يملك من حطام الدنيا.