فهرس الكتاب
فلو أردنا، أن نسقط هذا الكلام على حياتنا اليومية، إنسان مشغول بدكانه، يقول لك: نحن هذه الأيام عندنا موسم، فهو إنسان مشغول بتجارته، وآخر مشغول بمعمله، وثالث اشترى أرضًا، وهو يزرعها، أين أنت؟ فيجيب: واللهِ في المزرعة، فمَن شغلته الدنيا فهذا مباح، والمباح مِن الحلال، ولا يعنينا هنا الحرام إطلاقًا.
لكنَّ الفرحة التي غمرت المدينة المنورة، ما لبثت أن عمَّت بواديها القريبة والبعيدة، وأشرقت في كل بقعةٍ من بقاعها الطيبة، وبلغت تباشيرها عقبة بن عامر الجهني، وهو مع غنيماته بعيدًا في الفلوات، أخبار مجيء النبي وصلت إلى البوادي، كما أنّ أخبار استقباله وصلت إلى البوادي والحواضر.
لاحظْ الآن شعور سيدنا عقبة، فقد كان بعيدًا عن رسول الله، بعيدًا عن استقباله، مشغولًا بغنيماته، لكن لا تنسَ أيها الأخ الحديث القدسي, (( مَنْ شَغَلَهُ الْقُرْآنُ وَذِكْرِي عَنْ مَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائِلِينَ, وَفَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ) )
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري في سننه]
شيء كبير بالتعبير العامي، لمَّا تطلب العلم، ولمَّا تنتزع من وقتك الثمين وقتًا لحضور مجالس العلم، ولمَّا تنتزع من وقتك وقتًا لمعرفة الله، ولمَّا تنتزع وقتًا من وقتك الثمين لإصلاح ذات البين، فهذا عمل عظيم، كله مسجل.
يقول أصحاب السِّيَر: فلنترك الكلام لعقبة بن عامر ليروي لنا قصته مع رسول الله صلى الله علية وسلَّم، قال عقبة: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلَّم المدينة، وأنا في غنيمات لي أرعاها فما إن تناهى إليَّ خبر قدومه صلّى الله عليه وسلّم، حتى تركتُها، ومضيت إليه، لا ألوي على شيء، إيمان جيد، فلّما لقيته, قلّت: (( يا رسول الله, تبايعني؟ فقال عليه الصلاة والسلام: فمن أنت؟ قلتُ: أنا عقبة بن عامر الجهني.