لو أن القضية قضية بيئة، أو قضية وراثة، أو قضية محيط، أو قضية ظروف وتفاعلات، ما كان ينبغي أن تخرج رملة بنت أبي سفيان عن دين أبيها، و أبوها زعيم قريش، ومن أغنى أغنياء قريش, ومن سادات قريش، في بيت العز، وبيت المال، وبيت الغنى, لكن يجب أن تعلموا دائمًا أن الإنسان مخيَّر، وأن الإنسان إذا اختار شيئًا يلغي كل العوامل الخارجية، ولأنه أكبر من كل الظروف المحيطة به، إن القرار الذي يتخذه الإنسان في شأن مصيره، قلما تنقضه الأيام، إن كان صادرًا حقًا عن إرادةٍ وإيمان.
سيدنا إبراهيم في أية بيئة نشأ؟ دعاة البيئة، دعاة المحيط، دعاة المورثات، دعاة المؤثِّرات، دعاة المعطيات، هؤلاء الذين يؤَلِّهون هذه العوامل نردُّ عليهم, فنقول: سيدنا إبراهيم في أية بيئة نشأ؟ في بيئة تعبد الأصنام.
سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام في أية بيئة نشأ؟ بلغت الجاهلية في مكة درجةً عاليةً جدًا من الخطورة، الربا، الفواحش، الزنا، الخمور، القهر، الاستبداد، الطبقية، جاهلية أولى.
فرملة بنت أبي سفيان إسلامها أيةٌ من آيات الله، ودليلٌ على أن الإنسان مخيَّر، وإسلامها حجةٌ على مَن يعتقد أن البيئة تؤثِّر أبلغ الأثر، والبيئة لها تأثير لا شكّ فيه، لكن ليس لها كل التأثير، فما كان يخطر في بال أبي سفيان أنّ في وسع أحدٍ من قريش أن يخرج عن سلطانه، فهو الزعيم الأوحد، والشخصية الأولى، والسيد المطاع، ذو الحسب والنسب، ذو القوة والسلطان، وابنته بضع منه، تخرج عن دين آبائه، وهو سيد مكة المطاع، وزعيمها الذي تدين له بالولاء، لكن ابنته رملة المكنَّاة بأم حبيبة قد بددت هذا الزعم، وذلك حين كفرتْ بآلهة أبيها، وآمنتْ هي وزوجها عبيد الله بن جحش بالله وحده لا شريك له وبرسوله، ودخلا في الإسلام، وانضما إلى النبي عليه الصلاة والسلام.