لما وجدت قريشٌ أن أبا سفيان ساخطٌ على رملة وزوجها، اجترأتْ عليها، وطفقتْ تضيِّق عليهما الخناق، وجعلتْ ترهقهما أشدَّ الإرهاق، حتى باتا لا يطيقان الحياة بمكة, ولقد ضغطت قريشٌ على المسلمين بشكلٍ لا يوصف، ونحن نشأنا في بلاد المسلمين، والحمد لله، ونحضر مجالس العلم، ولا نشعر بهذا الضغط، لكن الضغط الذي مارستْه قريشٌ كان شديدًا مؤلِمًا، تعذيب حتى الموت، ومقاطعة حتى الجوع، ولما أذِنَ النبيّ عليه الصلاة والسلام للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة، كانت رملة بنت أبي سفيان وطفلتها الصغيرة حبيبة، وزوجها عبيد الله بن جحش في طليعة المهاجرين إلى الله بدينهم، الفارِّين إلى حِمى النجاشي بإيمانهم.
لكن أبا سفيان بن حرب ومن معه من زعماء قريش عزّ عليهم أن يفلت من بين أيديهم أُولئك النفر من المسلمين، وأن يذوقوا طعم الراحة في بلاد الحبشة، فأرسلوا رسلَهم إلى النجاشي، يحرِّضونه عليهم، ويطلبون منه، أن يسلِّمهم إليهم.
الإنسان هو الإنسان، سلمونا فلانًا وفلانًا، دائمًا مطاردة، هذا يجب أن تسلِّمونا إياه، وهذا ما فعله أبو سفيان وزعماء قريش، لقد أرسلوا إلى النجاشي رسلًا معهم الهدايا الثمينة، للبطارقة حتى يشكلوا رأيًا عامًّا ضاغِطًا على النجاشي، وكان عمرو بن العاص وهو أحد دُهاة العرب رئيسَ وفدِ قريش إلى النجاشي، كي يقنع النجاشي بتسليم هؤلاء الذين هاجروا إلى الحبشة، وفرُّوا بدينهم، ورأوا في بلاد النجاشي الراحة والأمان.
ومن دهاء عمرو بن العاص أنه أراد أن يثير حفيظة النجاشي، وهو النصراني، أثاره بموضوعٍ خطير، فقدْ ذكَّره أن هؤلاء الذين لجؤوا إلى بلاده يقولون في المسيح وأُمِّه مريم قولًا يسوءه، فبعث النجاشي إلى زعماء المهاجرين، وسألهم عن حقيقة دينهم، والنص معروف عندكم أنا أُلقيه عليكم كثيرًا، قال له: