فهرس الكتاب

الصفحة 642 من 800

فهذا الشيخ بلغ من الفقر حدًا لا يُحتمل، تزوّدَ زادًا، ومشى يومه كله، حتى إذا أقبل الليل وجد أمامه خِباءً، وبالقرب من الخِباء مُهرٌ مُقيدٌ، يعني فرسًا أصيلة، فقال: هذا أول الغنيمة، وتوجه إليه، وجعل يحُلُّ قيده، فما إن همَّ بِركوبه, حتى سمع صوتًا يناديه: خلِّ عنه، واغنمْ نفسك، فتركه ومضى، فما نجحتْ معه المغامرة، ثم مشى سبعة أيام، حتى إذا بلغ مكانًا فيه مراحٌ للإبل، وبجانبه خِباءٌ عظيم، فيه قبةٌ من أدمٍ، تشير إلى الثراء والنعمة.

فقال هذا الرجل الشيخ في نفسه: لا بدَّ لهذا المراح مِن إبل، ولا بد لهذا الخِباء من أهل، ثم نظر في الخِباء، وكانت الشمس تدنو من المغيب، فوجد شيخًا فانيًا في وسطه، فجلس خلفه، وهو لا يشعر به، وما هو إلا قليل حتى غابت الشمس، وأقبل فارِسٌ لم يُرَ قطُّ فارس أعظم منه، ولا أجسم منه، قد امتطى صهوةً، وحوله عبدان يمشيان عن يمينه وشماله، ومعه نحو مئةٍ من الإبل، أمامها فحلٌ كبير، فبرك الفحلُ، فبركت حوله النُوقُ.

وهنا قال الفارِس لأحد عبديه: احلبْ هذه، وأشار إلى ناقةٍ سمينة، واسقِ الشيخ، فحلب منها حتى ملأ الإناء، ووضعه بين يدي الشيخ، وتنحىَّ عنه، فجرع الشيخ منه جُرعةً أو جُرعتين، وتركه، قال الرجل: فدببت نحوه متخفيًا، وأخذت الإناء وشربتُ كلَّ ما فيه، فرجع العبد، وأخذ الإناء، وقال: يا مولاي, لقد شربه كله، -يعني والده- فقال الفارس: احلب هذه، وأشار إلى ناقةٍ أخرى، ووضع الإناء بين يدي الشيخ، ففعل العبد ما أمر به، فجرع منه الشيخ جرعةً واحدة وتركه.

قال الرجل: فأخذته وشربت نصفه، وكرهت أن آتي عليه كلِّه، حتى لا أثير الشكَّ في نفس الفارس، ثم أمر الفارسُ عبدَه الثاني، بأن يذبح شاةً، فذبحها، فقام إليها الفارس، وشوى للشيخ منها، وأطعمه بيديه، حتى إذا شبع، جعل يأكل هو وعبداه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت