فهرس الكتاب
قال له: فأشرت إلى الوسطى، فرمى السهم فأدخله فيها, حتى لكأنما وضعه بيده، أي إنه رامٍ من الطراز الأول، ثم أصاب الثانية والثالثة، عند ذلك عرفتُ قوته، فأعدتُ سهمي إلى الكنانة، ووقفتُ مستسلمًا، فدنا مني، وأخذ سيفي وقوسي، وقال: اركَبْ خلفي، فركبت خلفه، فقال: كيف تظن أني فاعلٌ بك؟ قلت: أسوأ الظن، قال: ولِمَ؟ قلت: لما فعلته بك، وما أنزلتُ بك من عناءٍ، وقد أظفرك الله بي، فقال: أو تظن أني أفعل بك سوءًا، وقد شاركتَ مُهلْهِلًا في شرابه وطعامه، ونادمته تلك الليلة، فلما سمعت اسم المهلهل، قلت: أزيد الخيل أنت؟ قال: نعم، قلت: كن خير آسر، قال: لا بأس عليك، ومضى بي إلى موضعه، وقال: واللهِ لو كانت هذه الإبل لي لسلَّمتها إِليك، ولكنها لأُختٍ من أخواتي، فأقِمْ عندنا أيامًا، فإني على وشك غارةٍ، قد أغنم منها، -هكذا كان العرب في الجاهلية يعيشون-.
وما هي إلا أيامٌ ثلاثة حتى أغار على بني نمير، فغنم قريبًا من مئة ناقة، فأعطاني إياها كلَّها، وبعث معي رجالًا من عنده يحمونني، حتى وصلت الحيرة )) .
هذه قصَّته في الجاهلية، فارس من أكابر فرسان العرب، ذو مروءة، شهم، شجاع، رامٍ ممتاز، هذا لا يعنينا، لكن ذكرتُ هذه القصة تمهيدًا للقصة الثانية، تلك كانت صورة زيد الخيل في الجاهلية.
لماذا جمع زيد الخير السادة من قومه لزيارة يثرب؟ وماذا صنع النبي حينما رأى هذا الجمع؟
فقد كتب كتَّاب السيرة, يقولون: (( لمَّا بلغت أخبار النبي صلى الله عليه وسلم، سمع زيد الخيل، ووقف على شيءٍ مما يدعو إليه.
-فالإنسان أيها الأخوة، إذا بلغه الحق، ولم يستجب له، يعدُّ أحمقَ، لأن هذه الفرصة ربما لا تتكرر، فإذا دُعيتَ إلى الحق فاستجِبْ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}
(سورة الأنفال الآية:24)
الإنسان قبل أن يعرف الله ميِّت، قال تعالى: