فسيدنا عمر رضي الله عنه كان حريصًا حرصًا بالغًا، على أن يختار قوَّاد الجيوش وولاة الأمصار من بين الأبطال الورعين، الأكْفاء، المستقيمين، المخلصين.
وأنت أيها الإنسان، لو عيَّنوك مدير مدرسة، فبطولتك في حسن اختيار المعلمين، إن أحسنتَ اختيارهم، وكانوا مخلصين، أكْفاء، انطلقتْ هذه المدرسة، في أي مجال، وفي أي عمل، في أعمال الحروب، في أعمال العلوم، في أعمال التجارات، في أي مجال، لن تفلح إلا إذا كان حولك أعوانٌ يجمعون بين الكفاءة والإخلاص.
ومن عادة سيدنا عمر، رضي الله عنه أنه إذا عيَّن واليًا يكتب له هذا الكتاب: (( خذ عهدك، وانصرف إلى عملك، واعلم أنك مصروفٌ رأس سنتك, وأنك تصير إلى أربع خلال؛ إن وجدناك أمينًا ضعيفًا استبدلناك لضعفك، وَسَلَّمَتكَ مِنْ مَعَرَّتِنَا أَمانَتُكْ، وإن وجدناك خائنًا قويًا، اسْتَهَنَّا بقوَّتك، وأوجعنا ظهرك، وأحسنَّا أدبك، وإن جمعتَ الجُرمين، جمعنا عليك المضرَّتين، وإن وجدناك أمينًا قويًا، زدناك في عملك، ورفعنا لك ذكرك، وأوطأنا لك عقبك ) ).
استنبط هذا الخليفة الراشد، هذين المقياسين، الإخلاص والكفاءة، بالتعبير الحديث، أو الأمانة والقوة، بالتعبير القديم، من قول الله عزَّ وجل:
{قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَاجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَاجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}
(سورة القصص الآية: 26)
سيدنا عمر من أسباب نجاحه في الخلافة، أنّه كان يختار ولاة الأمصار، وقوَّاد الجيوش من القمم، فلذلك قال: (( أريدُّ رجلًا، إن كان أميرًا، بدا وكأنه واحدٌ من أصحابه, وإن كان واحدًا من أصحابه بدا وكأنه أمير ) ), لشدة حرصه وغيرته على مصالح المسلمين.