أيها الأخوة, فكان للرجل مع عمر بن الخطاب خبرٌ فيه عبرٌ وعظات، مضيتُ أنا وغلامي إلى البصرة، فاشترينا راحلتين، مما أعطانا سلمة بن قيس، وأوقرناهما زادًا، ثمَّ يمَّمنا وجوهنا شطر المدينة، فلما بلغناها نشدتُ أمير المؤمنين، أي طلبته، بحثت عنه، فوجدته واقفًا يغدِّي المسلمين، طبعًا فقراء المسلمين، وهو متكّئ على عصاه كما يصنع الراعي، وكان يدور على القِصاع، وهو يقول لغلامه يرفأ: (( يا يرفأ, زِدْ هؤلاء لحمًا، يا يرفأ, زد هؤلاء خبزًا، يا يرفأ, زد هؤلاء مرقةً.
-سيدنا الصديق رضي الله عنه، كانت له جارة عجوز عندها شاة، فكان يحلبها لها، فلما صار خليفةً، حزنتْ لأن هذه الخدمات لن تستمر، لقد أصبح خليفة، وفي اليوم التالي طرق باب الجارة، وقالت لابنتها: يا بنيَّتي افتحي الباب، فلما فتحت الباب، قالت: مَن الطارق يا بنيتي؟ قالت: جاء حالب الشاة يا أمّاه، وهو خليفة المسلمين-.
فلما أقبلتُ عليه، قال: اجلس، فجلست في أدنى الناس، وقدَّم لي الطعام، فأكلّتُ لحمًا، وسيد الطعام اللحمُ, فلما فرغ الناس من طعامهم، قال: يا يرفأ ارفع قِصاعك، ثم مضى فتبعته، فلما دخل داره استأذنتُ عليه بالدخول، فأذن لي، فإذا هو جالسٌ على رقعةٍ من شعر، أي جلد شعر، نصفه قد قُطِع، ونصفه ما زال موجودًا، متكئٌ على وسادتين من جلدٍ محشوَّتينِ ليفًا، فطرح إلي إحداهما، فجلست عليها, وإذا خلْفه سترٌ، فالتفتَ نحو الستر، وقال: يا أم كلثوم، ائتنا بغدائنا، فقلت في نفسي: ما عسى أن يكون طعام أمير المؤمنين الذي خصَّ به نفسه؟.