فأحيانًا في مَجْمع كبير، مهما كنت متَّقد الإيمان، ومهما كنت شديد الإخلاص، إن لم تكن متمكنًا من اللُّغة فلن تستطيع أن تنقل أفكارك الدقيقة، ومشاعرك الإيمانية، ولا أن تؤثِّر في الآخرين، فهذه اللُّغة علم الأدوات، فحينما تريدُ أن تنطق بالحق فلا بدَّ لك من أداة، إنما هي اللُّغة، لذلك فالذي يبذل جهدًا في تعلمُّ اللُّغة، وتعلم تلاوة القرآن، فله ثوابه عند الله تعالى، ويجب أن تتلو القرآن تلاوةً صحيحةً، ويجب أن تتكلم بلغةٍ صحيحة، مبدئيًا صحيحة، وبعد قليل نقول لك: لا بدَّ من لغةٍ أدبية.
قال أحدهم: تكاثرتْ عليَّ المصائبُ، وهذا كلام فصيح، وقال المتنبِّي:
رماني الدهرُ بالأرزاءِ حتى ... فؤادي في غشاءٍ من نبالِ
فصرتُ إذا أصابتني سهامُ ... تكسَّرَتِ النِّصالُ على النِّصالِ
هذه صورة أدبية، والتعبير إما أن يكون تعبيرًا مبتذلًا، عامِّيًا، سوقيًا، وإما أن يكون تعبيرًا صحيحًا، وإما أن يكون تعبيرًا أدبيًا، فنحن قبل كل شيء، نطالب الأخوة الذين يطمحون إلى أن يكونوا دعاةً إلى الله عزَّ وجل، أن يمتلكوا قدرةً بيانية، أن يكون تعبيرهم صحيحًا فصيحًا، إذا أتقنوا هذه الناحية، نطالبهم أن يرقوا بمستوى لغتهم إلى المستوى الأدبي.
فسيدنا ثابت بن قيس، هذا الصحابي الجليل كان خطيب النبي عليه الصلاة والسلام، فكلما كانت تأتيه الوفود، ويتبارون أمامه بشِعرهم وخطاباتهم، يدعو النبيُّ الكريمُ سيدَنا ثابت بن قيس ليقف خطيبًا ينطق باسم النبي عليه الصلاة والسلام.
ولا أزال أعيد وأكرر؛ إنّ كل الحظوظ التي يمكن أن يؤتيك الله إياها، ابتداءً من وسامتك، ومن طول قامتك، ومن نصاعة لونك، ومن رجاحة عقلك، ومن طلاقة لسانك، ومن كثرة مالك، ومن أي حظٍ يؤتيك الله إياه، هذه الحظوظ، إما أنها درجاتٌ ترقى بها إلى أعلى علِّيِّين، وإما أنها دركاتٌ تهوي بها إلى أسفل سافلين.