فهرس الكتاب
لقد كان ثابت بن قيس أميرًا لجند الأنصار، وسالمٌ مولى أبي حذيفة، أميرًا لجند المهاجرين، وخالد بن الوليد قائدًا للجيش كلِّه، أنصاره ومهاجريه، ومن فيه من أبناء البوادي، ولقد كانت الغلبَةُ في جُلِّ الجولاتِ لمسيلمة الكذاب، ولرجاله على جيش المسلمين، حتى بلغ بهم الأمر أنْ اقتحموا فسطاط خالد بن الوليد، وهمُّوا بقتل زوجته، وقطعوا حبال الفسطاط، ومزَّقوه شرَّ ممزَّق، والفسطاط الخيمة، فرأى ثابت بن قيس يوم ذاك، مِن تضعضعِ المسلمين، ما شحن قلبه أسىً وكمدًا، وسمع من تنابذهم، ما ملأ صدره همًا وغمًا، فأبناء المدن، يرمون أهلَّ البوادي، وأهل البوادي يصفون أبناء المدن، بأنهم لا يحسنون القتال، ولا يدرون ما الحرب؟.
عند ذلك تحنط ثابتٌ وتكفن، ووقف على رؤوس الأشهاد, وقال: (( يا معشر المسلمين، ما هكذا كنّا نقاتل مع رسول الله صلّى الله عله وسلّم، بئس ما عوَّدتم أعداءكم من الجراءة عليكم، وبئس ما عوَّدتم أنفسكم من الانخذال لهم، ثمَّ رفع طرفه إلى السماء, وقال: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء من الشرك، -أي مسيلمة وقومه- وأبرأ إليك مما يصنع هؤلاء، - أي المسلمين- ثمَّ هبَّ هبة الأسد الضاري، كتفًا لكتف، مع الغُر الميامين، وهم البراء بن مالك الأنصاري، وزيد بن الخطاب، أخ سيدنا عمر بن الخطاب، وسالمٍ مولى أبي حذيفة، وغيرهم، وغيرهم من المؤمنين السابقين، وأبلى بلاءً عظيمًا، ملأ قلوب المسلمين حميةً وعزمًا، وشحن أفئدة المشركين وهنًا ورعبًا، وما زال يجالد في كلِّ اتجاهٍ، ويضارب بكلِّ سلاحٍ، حتى أثخنته الجراح، فخرَّ صريعًا على أرض المعركة، قرير العين بما كتب الله له من الشهادة التي بشَّره به حبيبُه النّبي عليه الصلاة والسلام، مثلوج الصدر، بما حقق الله على يديه للمسلمين من النصر ) ).