فالنبي عليه الصلاة والسلام إن جلس مع عبد الله بن أم مكتوم، ذلك الصحابي الجليل المحب العاشق، الذي يتمنى ألاَّ يفارق النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا أَحبُّ إليه، وأيهما أهون على النبي، أن يجلس مع عبد الله بن أم مكتوم، أم أن يجلس مع زعماء الكفر والفسق؟ وماذا اختار النبي؟ اختار الأصعب، اختار الأشق حبًا بالله عز وجل، لأنه انطلق من أن هؤلاء الزعماء الأقوياء الأشداء إذا أسلموا أسلم معهم أناس كثيرون، لأن الناس دائمًا تابعون ومتبوعون، ولكل بلدة كبراء، والكبراء ماذا يفعلون؟ أي شيء يفعلونه يقلدهم الناس فيه، فأنت إذا دعوت إلى الله، وتمكنت أن تقنع كبيرًا بطريق الحق، فهذا الزعيم الكبير معه أتباع كثيرون، فالنبي عليه الصلاة والسلام، ليس هناك تشريع يمنعه، وليس هناك مانع يصدُّه، وليس هناك حظر, وليس هناك شيء يمكن أن يُعد مخالفة لما فعل.
جاءه ابن أم مكتوم, وكان النبي مع زعماء قريش، وإنْ صحّ التشبيه أسوق هذا المثَل، أنت مدرس رياضيات، وابنك في البيت، وأنت في لقاء مهم خطير، وأنت منهمك في إقناع هؤلاء الذين في غرفة الضيوف، فدخل عليك ابنك لتحل له مسألة في الرياضيات، فماذا تقول له؟ انتظر قليلًا، أنا لك اليوم كله، دعني الآن وشأني، هذا الذي فعله النبي عليه الصلاة والسلام مع ابن أم مكتوم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام في هذه الفترة كثير التصدي لسادات قريش، شديد الحرص على إسلامهم، فالتقى ذات يوم بعتبة بن ربيعة, وأخيه شيبة بن ربيعة، وعمرو بن هشام المكنى بأبي جهل، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وطفق يفاوضهم ويناجيهم ويعرض عليهم الإسلام، وهو يطمع أن يستجيبوا له، أو أن يكفوا أذاهم عن أصحابه, إذًا: النبي كان في مهمة مقدسة عظيمة، وهذه الحادثة تزيدنا حبًا برسول الله، هذه القصة تزيدنا إكبارًا له، تعظيمًا لشأنه لمقامه العالي لأنه اختار الأصعب.