فهرس الكتاب
الله يعلم، وبعلمه وخبرته أخبر النبيَّ أن هؤلاء الكفار الصناديد زعماء الشرك، رؤوس الفتنة، عباد الأوثان لا خير فيهم، فلا تعلِّقْ أملك عليهم، ولا تلتفت إليهم، فليسوا أهلًا لاهتمامك، بل التفتْ لهذا الأعمى الفقير الذي يصغي لكلامك, بربكم هل في هذا السلوك الذي فعله النبي نقص في حقه؟ هل فيه مخالفة لأمر إلهي؟ هل فيه معصية؟ هل فيه خرق لحظر؟ أبدًا، هكذا ينبغي أن نفهم القرآن الكريم، الله عز وجل وصف حال النبي، وبين له أن هؤلاء الذين تحرص عليهم لا حياة لمن تنادي, قال القائل:
لقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي
ولو نارًا نفخت فيها أضاءت ... ولكنك تنفخ في رمادِ
قال العلماء: ست عشرة آية نزل بها جبريل الأمين على قلب النبي عليه الصلاة والسلام في شأن عبد الله بن أم مكتوم، لا تزال تُتلى منذ نُزلت إلى اليوم، وسوف تظل تتلى حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فالمعنى أنّ هذا درس لنا إلى يوم القيامة, فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لَا يُؤْبَهُ لَهُ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ مِنْهُمْ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ ) )
[أخرجه الترمذي في سننه عن أنس بن مالك]
هؤلاء الأقوياء، هؤلاء الأغنياء المنحرفون عن طريق الحق، لا تعجبك أجسامهم ولا أموالهم، إنما يريد الله ليعذبهم في الحياة الدنيا, وتزهق أنفسهم وهم كافرون, هكذا وجَّه الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام.
ومنذ ذلك اليوم ما فتئ النبي عليه الصلاة والسلام يكرم منزل عبد الله بن أم مكتوم إذا نزل، ويدني مجلسه إذا أقبل، ويسأل عن شأنه ويقضي حاجته، ولا غرو أليس هو الذي عوتب فيه من فوق سبع سموات من قبل المولى جل وعلا؟.