فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 800

بعد أن توفي النبيُّ عليه الصلاة والسلام, يقول هذا الصحابي الجليل عن نفسه: (( كان إذا بلغني الحديث عند رجل من صحابة رسول الله أتيت باب بيته في وقت قيلولته، وتوّسدتُ ردائي عند عتبة داره، فيسفو عليّ الريح من التراب ما يسفو، ولو شئت أن أستأذن عليه لأذِن لي، وإنما كنت أفعل ذلك لأطيِّب نفسَه، فإذا خرج من بيته، ورآني على هذا الحال, قال: يا ابن عمِّ رسول الله, ما جاء بك؟ هلاَّ أرسلتَ إليَّ فآتيك؟ فأقول: أنا أحَقُّ بالمجيء إليك، فالعلم يؤتَى ولا يأتي ) ).

مرةً أحد خلفاء بني العباس حج البيت، وقال: (( أريد عالمًا أستفيد من علمه، فأتباعه توجهوا إلى الإمام مالك، إمام دار الهجرة، وقالوا له: تفضّل فالخليفة يدعوك إليه، قال: قولوا له: يا هارون, العلم يؤتى ولا يأتي.

فلما أبلغوه, قال: حق، أنا آتيه، فلما أبلغوه أنه سيأتيك، قال: قولوا له: لا أسمح لك بتخطي رقاب الناس، قال: صدق, فلما وصل إلى مجلس علمه جلس على كرسي، فقال الإمام مالك: من تواضع لله رفعه, ومن تكبر وضعه، فقال: خذوا عني هذا الكرسي، وجلس مع الناس )) .

كان ابن عباس يذل نفسه في طلب العلم، وهو ابن عم رسول الله، ولكن مِن أجل أن يطلب العلم, والحقيقة أنّ النبي الكريم, يقول: (( تواضعوا لمن تعلمون منه، وتواضعوا لمن تعلِّمونَه، ولا تكونوا جبابرة العلماء ) ).

الطالب الأديب يأخذ كل علم أستاذه عن طيب خاطر، لكن إن كان هناك سؤال فيه جفاء، وتعليق فيه قسوة، وانتقاد لاذع، وسوء أدب بالمعاملة، فهذا ينفر الإنسان, صدق القائل:

إن المعلم والطبيب كلاهما ... لا ينصحان إذا هما لم يُكرَما

حتى الصحابة الكرام دهشوا لأدب رسول الله، حتى قالوا متسائلين: ما هذا الأدب؟ قال: (( أدبني ربي فأحسن تأديبي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت