لا شك أن القوم لمَّا غُصُّوا بالأدلة الشرعية، والقواطع البرهانية؛ التي رشقهم بها أهل العلم في هذه البلاد - حفظهم الله - خرجوا يتسابقون كالذي يتخبطه الشيطان من المسِّ؛ يهيمون على وجوههم في الفيافي والصحاري القافرة؛ باحثين عن جرعةِ ماءٍ ليدفَعوا بها غُصَصَهم، ويَرْوا غلتهم، ويَشفوا عِلتِهم؛ حتى إذا وجدوا ما ظنَّوه ماءً تساقطوا عليه كالذباب، وما علموا أنه"مستنقع آجن"لا يسمن، ولا يغني من جوع، فلما تَجَرَّعُوه ولا يكادون يُسِيغُونه فاحت روائحُهم من تحت ألسنتهم ومن بين أسنانهم؛ وقالوا قولتهم: القيادةُ خيرٌ من الخَلوة !.
قال تعالى ( …كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا"الكهف 5 ."
قلت: إن الرد على هذه الشبهة من وجهين عام وخاص:
• العام: العمل بالقاعدة المشهورة"الضرر الأشد يزال بالضرر الأخف".
وصورتها: أن الأمر إذا دار بين ضررين أحدهما أشد من الأخر؛ يجب ارتكاب الضرر الأخف دون ارتكاب الأشد، وهذه منبثقة من القاعدة الفقهية السابقة"درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، ومتفرعة - أيضًا - عن القاعدة الكلية"لا ضرر ولا ضرار".
ودليل القاعدة، قوله تعالى: ( ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم ) الأنعام 108، فلا شك أن مسبة، ومعاداة، وتسفيه معبودات المشركين مقصود شرعي إذا أمن المسلم من سبّهم لله ـ تعالى ـ ؛ أما إذا قابل المشركون سابَّ آلهتهم بسبِّ الله تعالى؛ وجب حينئذ على المسلم المسك عن سبِّ آلهتهم دفعًا للشر الأكبر _ وهو سبهم لله تعالى _.
وكذا قوله تعالى: ( يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ) البقرة 217