الحمد لله الذي أحاط بكل شيء علمًا، شرع الشرائع وفصل حلالها وحرامها حكمًا حكمًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إله وسع كل شيء رحمة وعلمًا.
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، خاتم الأنبياء، وإمام العلماء، الذي دعا إلى سبيل ربه بالحكمة، وأرشد الناس إلى ما فيه خير ونعمة، وحث على طلب العلم وبيّن فضله، فما مات إلاّ بعد أن اكتمل به الدين، وترك أمته على الصراط المستقيم، فصلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله، وأصحابه ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن طلب العلوم الشرعية والاشتغال بها من أفضل الطاعات، وأولى ما أنفقت فيه نفائس الأوقات، فبه يظهر الحق، ويسود العدل، وينزاح الجهل، ويعبد الله على بصيرة، ويزداد طالبه شرفًا، وفضلًا، وتقديرًا.
وقد تظافرت الأدلة من الكتاب والسنة على بيان فضل العلم، وعلو منزلة العلماء، فقال تعالى {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [1] ، وقال عليه الصلاة والسلام: (ومن سلك طريقًا يطلب به علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة) [2] .
وإن من بين تلك العلوم الشرعية التي حث الشارع عليها علم الفقه، الذي هو من أعلى العلوم الإسلامية قدرًا -بعد العلم بالله وصفاته-، وأعظمها نفعًا، وأوسعها مجالًا، وأكثرها سؤالًا، وأشدها حاجة إلى المزيد من الاهتمام والعناية، قال تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ
(1) المجادلة:11.
(2) ذكره البخاري في صحيحه معلقًا في كتاب العلم، باب: العلم قبل القول والعمل (1/ 37) ، وأخرجه مسلم برقم (2699) في كتاب الذكر، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، وعلى الذكر (4/ 2074) .