إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ [1] . وقال - صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين) [2] .
فكان الصحابة - رضي الله عنهم - هم أسبق الناس لتحصيل هذا الفضل، ثم جاء التابعون من بعدهم فورثوا هذا الخير، ونقلوه إلى من بعدهم، فتوارثوه جيلًا بعد جيل، وفي كل جيل يزداد الإرث؛ وذلك أن الوقائع مختلفة بحسب الزمان والمكان، والأقوال متعددة، والحوادث متجددة، حتى تكونت بذلك ثروة هائلة من المسائل الفقهية في شتى مجالات الحياة سواء: فيما يقوم به العباد نحو ربهم من العبادات، أو ما يتعاملون به بينهم من المعاملات، أو ما يتعلق بهم من أحوال شخصية، أو ما تتعلق به الحقوق من الميراث، أو ما يتعدون به على الأنفس، أو الأموال، أو الأعراض، وما يصار إليه في الحكم والقضاء.
وإدراكًا من علمائنا الأسبقين لأهمية حفظ هذه المسائل، ومعرفة أحكامها، ونقل آراء الأئمة فيها، والتدليل لها، قاموا بتدوينها في مصنفات خاصة تحت كتب وأبواب متعددة، ليسهل الرجوع إليها، والبحث عنها في مظانها.
وإن من هؤلاء العلماء الأجلاء، الإمام العلامة أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي، والذي ساهم في جمع المسائل الفقهية المتنوعة بوجه عام، وبنائها على مذهبه الشافعي بوجه خاص، وذلك من خلال أشهر كتبه في الفقه كتاب (التهذيب) ، والذي يُعد من أهم كتب المذهب الشافعي.
وحيث إن الكتاب قد قام كثير من الباحثين بتحقيق أجزاء منه، كما أنه طبع قبل سنوات لكن بدون كتاب الحج -لأنه كما ذكر محققو الكتاب مفقود - فأحببت أن أسهم في إخراج هذا الجزء المفقود وهو كتاب الحج بعد أن وفقني الله للعثور عليه كاملًا، ليكون تحقيقه موضوع رسالتي المقدمة لنيل الدرجة العالمية العالية (الدكتوراه) .
والله أسأل أن ييسر لي ذلك، وأن يوفقني والمسلمين لخدمة هذا الدين، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وأن يجنبنا الخطأ والزلل، وأن يعصمنا من الفتن ما ظهر منها وما
(1) التوبة:122.
(2) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (71) كتاب العلم، باب: من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين (1/ 39) ، ومسلم برقم (1037) كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة (2/ 718) .