فهرس الكتاب
والرسوخ: الثبوت في الشيء ، وكل ثابت راسخ. وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ؛ قال الشاعر:
لقد رسخت في الصدر مني مودة ... لليلى أبت آياتها أن تغيرا
ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا. وحكى بعضهم: رسخ الغدير: نضب ماؤه ؛ حكاه ابن فارس فهو من الأضداد. ورَسَخ ورَضَخ ورَصُن ورسَب كله ثبت فيه. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال:"هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه". فإن قيل: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44] فكيف لم يجعله كله واضحا ؟ قيل له: الحكمة في ذلك - والله أعلم - أن يظهر فضل العلماء ؛ لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض. وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا ، ويترك للجثوة موضعا ؛ لأن ما هان وجوده قل بهاؤه. والله أعلم.
قوله تعالى: {كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا} فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه ؛ والتقدير: كله من عند ربنا. وحذف الضمير لدلالة"كل"عليه ؛ إذ هي لفظة تقتضي الإضافة. ثم قال: {وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُولُوا الألْبَابَ} أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب ، وهو العقل. ولب كل شيء خالصه ؛ فلذلك قيل للعقل لب. و"أولو"جمع ذو.
الآية: 8 {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ}
فيه مسألتان:
الأولى - قوله تعالى: {رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا} في الكلام حذف تقديره يقولون. وهذا حكاية عن الراسخين. ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد ، ويقال: إزاغة القلب فساد