فهرس الكتاب

الصفحة 1756 من 7446

وقوله: { أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } وقوله: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ } فإخباره سبحانه وتعالى عن أشياء أوجبها على نفسه يقتضي وجوب تلك الأشياء. والعقيدة أنه لا يجب عليه شيء عقلا ؛ فأما السمع فظاهره قبول توبة التائب. قال أبو المعالي وغيره: وهذه الظواهر إنما تعطي غلبة ظن ، لا قطعا على الله تعالى بقبول التوبة. قال ابن عطية: وقد خولف أبو المعالي وغيره في هذا المعنى. فإذا فرضنا رجلا قد تاب توبة نصوحا تامة الشروط فقال أبو المعالي: يغلب على الظن قبول توبته. وقال غيره: يقطع على الله تعالى بقبول توبته كما أخبر عن نفسه جل وعز. قال ابن عطية: وكان أبي رحمه الله يميل إلى هذا القول ويرجحه ، وبه أقول ، والله تعالى أرحم بعباده من أن ينخرم في هذا التائب المفروض معنى قوله: { وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ } وقوله تعالى: { وَإِنِّي لَغَفَّارٌ } وإذا تقرر هذا فاعلم أن في قوله"على الله"حذفا وليس على ظاهره ، وإنما المعنى على فضل الله ورحمته بعباده. وهذا نحو قوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ:"أتدري ما حق العباد على الله"؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال:"أن يدخلهم الجنة". فهذا كله معناه: على فضله ورحمته بوعده الحق وقوله الصدق. دليله قوله تعالى: { كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } أي وعد بها. وقيل:"على"ههنا معناها"عند"والمعنى واحد ، التقدير: عند الله ، أي إنه وعد ولا خلف في وعده أنه يقبل التوبة إذا كانت بشروطها المصححة لها ؛ وهي أربعة: الندم بالقلب ، وترك المعصية في الحال ، والعزم على ألا يعود إلى مثلها ، وأن يكون ذلك حياء من الله تعالى لا من غيره ؛ فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تصح التوبة. وقد قيل من شروطها: الاعتراف بالذنب وكثرة الاستغفار ، وقد تقدم في"آل عمران"كثير من معاني التوبة وأحكامها. ولا خلاف فيما أعلمه أن التوبة لا تسقط حدا ؛ ولهذا قال علماؤنا: إن السارق والسارقة والقاذف متى تابوا وقامت الشهادة عليهم أقيمت عليهم الحدود. وقيل:"على"بمعنى"من"أي إنما التوبة من الله للذين ؛ قاله أبو بكر بن عبدوس ، والله أعلم. وسيأتي في"التحريم"الكلام في التوبة النصوح والأشياء التي يتاب منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت