فهرس الكتاب
عمرو بن لحي خرج من مكة إلى الشام ، فلما قدم مآب من أرض البلقاء ، وبها يومئذ العماليق أولاد عمليق ويقال عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح ، رآهم يعبدون الأصنام فقال لهم: ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدون ؟ قالوا: هذه أصنام نستمطر بها فنمطر ، ونستنصر بها فننصر ؛ فقال لهم: أفلا تعطوني منها صنما أسير به إلى أرض العرب فيعبدونه ؟ فأعطوه صنما يقال له:"هبل"فقدم به مكة فنصبه ، وأخذ الناس بعبادته وتعظيمه ؛ فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم أنزل الله عليه {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ} . {وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا} يعني من قريش وخزاعة ومشركي العرب {يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} بقولهم: إن الله أمر بتحريمها ، ويزعمون أنهم يفعلون ذلك لرضا ربهم في طاعة الله ، وطاعة الله إنما تعلم من قوله ، ولم يكن عندهم من الله بذلك قول ، فكان ذلك مما يفترونه على الله. وقالوا: {مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا} يعني من الولد والألبان {وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً} يعني إن وضعته ميتا اشترك فيه الرجال والنساء ؛ فذلك قوله عز وجل: {فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ} أي بكذبهم العذاب في الآخرة {إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} أي بالتحريم والتحليل. وأنزل عليه: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ} وأنزل عليه: {ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ} وأنزله عليه: {وَأَنْعَامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ} .
الرابعة- تعلق أبو حنيفة رضي الله عنه في منعه الأحباس ورده الأوقاف ؛ بأن الله تعالى عاب على العرب ما كانت تفعله من تسييب البهائم وحمايتها وحبس أنفاسها عنها ، وقاس على البحيرة والسائبة والفرق بيّنٌ. ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال: هذه تكون حبسا ، لا يجتنى ثمرها ، ولا تزرع أرضها ، ولا ينتفع منها بنفع ، لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة. وقد قال علقمة لمن سأله عن هذه الأشياء: ما تريد إلى شيء كان من عمل أهله الجاهلية وقد ذهب. وقال نحوه ابن زيد. وجمهور العلماء على القول بجواز الأحباس والأوقاف ما عدا أبا حنيفة