فهرس الكتاب
قوله تعالى: {و َمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} {مَنْ} في موضع خفض ؛ أي ومن أظلم ممن قال سأنزل ، والمراد عبدالله بن أبي سرح الذي كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ارتد ولحق بالمشركين. وسبب ذلك فيما ذكر المفسرون أنه لما نزلت الآية التي في"المؤمنون": {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ} [المؤمنون: 12] دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فأملاها عليه ؛ فلما انتهى إلى قوله {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] عجب عبدالله في تفصيل خلق الإنسان فقال: {تبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14] . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وهكذا أنزلت على"فشك عبدالله حينئذ وقال: لئن كان محمد صادقا لقد أوحي إليه ، ولئن كان كاذبا لقد قلت كما قال. فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين ، فذلك قوله: {و َمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} رواه الكلبي عن ابن عباس. وذكره محمد بن إسحاق قال حدثني شرحبيل قال: نزلت في عبدالله بن سعد بن أبي سرح {و َمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ} ارتد عن الإسلام ، فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة أمر بقتله وقتل عبدالله بن خطل ومقيس بن صبابة ولو وجدوا تحت أستار الكعبة ، ففر عبدالله بن أبي سرح إلى عثمان رضي الله عنه ، وكان أخاه من الرضاعة ، أرضعت أمه عثمان ، فغيبه عثمان حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ما اطمأن أهل مكة فاستأمنه له ؛ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم طويلا ثم قال:"نعم". فلما انصرف عثمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما صمت إلا ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه". فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلى يا رسول الله ؟ فقال:"إن النبي لا ينبغي أن تكون له خائنة الأعين". قال أبو عمر: وأسلم عبدالله بن سعد بن أبي سرح أيام الفتح فحسن إسلامه ، ولم يظهر منه ما ينكر عليه بعد ذلك. وهو أحد النجباء العقلاء الكرماء من قريش ، وفارس بني عامر بن لؤي المعدود فيهم ، ثم ولاه عثمان بعد ذلك مصر سنة خمس وعشرين. وفتح على يديه إفريقية سنة سبع وعشرين ، وغزا منها الأساود من أرض النوبة سنة إحدى وثلاثين ، وهو هادنهم الهدنة الباقية إلى اليوم.