فهرس الكتاب
هارون ، فلما فصل موسى إلى ربه زاده الله عشرا ؛ فكانت فتنتهم في العشر التي زاده الله بما فعلوه من عبادة العجل ؛ على ما يأتي بيانه. ثم الزيادة التي تكون على الأجل تكون مقدرة ؛ كما أن الأجل مقدر. ولا يكون إلا باجتهاد من الحاكم بعد النظر إلى المعاني المتعلقة بالأمر: من وقت وحال وعمل ، فيكون مثل ثلث المدة السالفة ؛ كما أجل الله لموسى. فإن رأى الحاكم أن يجمع له الأصل في الأجل والزيادة في مدة واحدة جاز ، ولكن لا بد من التربص بعدها لما يطرأ من العذر على البشر ، قال ابن العربي. روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ ستين سنة".
قلت: وهذا أيضا أصل لإعذار الحكام إلى المحكوم عليه مرة بعد أخرى. وكان هذا لطفا بالخلق ، ولينفذ القيام عليهم بالحق. يقال: أعذر في الأمر أي بالغ فيه ؛ أي أعذر غاية الإعذار الذي لا إعذار بعده. وأكبر الإعذار إلى بني آدم بعثة الرسل إليهم لتتم حجته عليهم ، {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] . وقال {وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر: 37] قيل: هم الرسل. ابن عباس: هو الشيب. فإنه يأتي في سن الاكتهال ، فهو علامة لمفارقة سن الصبا. وجعل الستين غاية الإعذار لأن الستين قريب من معترك العباد ، وهو سن الإنابة والخشوع والاستسلام لله ، وترقب المنية ولقاء الله ؛ ففيه إعذار بعد إعذار. الأول بالنبي عليه السلام ، والثاني بالشيب ؛ وذلك عند كمال الأربعين ؛ قال الله تعالى: {وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ} [الأحقاف: 15] . فذكر عز وجل أن من بلغ أربعين فقد أن له أن يعلم مقدار نعم الله عليه وعلى والديه ويشكرها. قال مالك: أدركت أهل العلم ببلدنا ، وهم يطلبون الدنيا ويخالطون الناس حتى يأتي لأحدهم أربعون سنة ؛ فإذا أتت عليهم اعتزلوا الناس.
الثالثة: ودلت الآية أيضا على أن التاريخ يكون بالليالي دون الأيام ؛ لقوله تعالى: {ثَلاثِينَ لَيْلَةً} لأن الليالي أوائل الشهور. وبها كانت الصحابة رضي الله عنهم تخبر عن