فهرس الكتاب

الصفحة 3236 من 7446

فلو اهتدوا لكان ذلك الوقت مظنة لإيمانهم ؛ فهم إذ يصممون على الكفر ويرتبكون فيه كأنهم انصرفوا عن تلك الحال التي كانت مظنة النظر الصحيح والاهتداء ، ولم يسمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم سماع من يتدبره وينظر في آياته ؛ {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22] . {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24] .

قوله تعالى: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ}

فيه ثلاث مسائل: -

الأولى: قوله تعالى: {صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} دعاء عليهم ؛ أي قولوا لهم هذا. ويجوز أن يكون خبرا عن صرفها عن الخير مجازاة على فعلهم. وهي كلمة يدعي بها ؛ كقوله: {قَاتَلَهُمُ اللَّهُ} [التوبة: 30] والباء في قوله: {بِأَنَّهُمْ} صلة لـ {صَرَفَ} .

الثانية: قال ابن عباس: يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة ؛ لأن قوما انصرفوا فصرف الله قلوبهم ، ولكن قولوا قضينا الصلاة ؛ أسنده الطبري عنه. قال ابن العربي: وهذا فيه نظر وما أظنه بصحيح فإن نظام الكلام أن يقال: لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة ؛ فإن قوما قيل فيهم: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} . أخبرنا محمد بن عبد الملك القيسي الواعظ حدثنا أبو الفضل الجوهري سماعا منه يقول: كنا في جنازة فقال المنذر بها: انصرفوا رحمكم الله فقال: لا يقل أحد انصرفوا فإن الله تعالى قال في قوم ذمهم: {ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} ولكن قولوا: انقلبوا رحمكم الله فإن الله تعالى قال في قوم مدحهم: {فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ} [آل عمران: 174] .

الثالثة: أخبر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية أنه صارف القلوب ومصرفها وقالبها ومقلبها ؛ ردا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم ، يتصرفون بمشيئتهم ويحكمون بإراداتهم واختيارهم ؛ ولذلك قال مالك فيما رواه عنه أشهب: ما أبين هذا في الرد على القدرية {لا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ_ إِلّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ} [التوبة: 110] . وقوله عز وجل لنوح: {أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ} [هود: 36] فهذا لا يكون أبدا ولا يرجع ولا يزول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت