فهرس الكتاب

الصفحة 3533 من 7446

-فيما روي - خشي أن يخرج وينال من الملك مرتبة ويسكت عن أمر ذنبه صفحا فيراه الناس بتلك العين أبدا ويقولون: هذا الذي راود امرأة مولاه ؛ فأراد يوسف عليه السلام أن يبين براءته ، ويحقق منزلته من العفة والخير ؛ وحينئذ يخرج للإحظاء والمنزلة ؛ فلهذا قال للرسول: ارجع إلى ربك وقل له ما بال النسوة ، ومقصد يوسف عليه السلام إنما كان: وقل له يستقصي عن ذنبي ، وينظر في أمري هل سجنت بحق أو بظلم ؛ ونكب عن امرأة العزيز حسن عشرة ، ورعاية لذمام الملك العزيز له. فإن قيل: كيف مدح النبي صلى الله عليه وسلم يوسف بالصبر والأناة وترك المبادرة إلى الخروج ، ثم هو يذهب بنفسه عن حالة قد مدح بها غيره ؟ فالوجه في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخذ لنفسه وجها آخر من الرأي ، له جهة أيضا من الجودة ؛ يقول: لو كنت أنا لبادرت بالخروج ، ثم حاولت بيان عذري بعد ذلك ، وذلك أن هذه القصص والنوازل هي معرضة لأن يقتدي الناس بها إلى يوم القيامة ؛ فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الناس على الأحزم من الأمور ؛ وذلك أن تارك الحزم في مثل هذه النازلة ، التارك فرصة الخروج من مثل ذلك السجن ، ربما نتج له البقاء في سجنه ، وانصرفت نفس مخرجه عنه ، وإن كان يوسف عليه السلام أمن من ذلك بعلمه من الله ، فغيره من الناس لا يأمن ذلك ؛ فالحالة التي ذهب النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه إليها حالة حزم ، وما فعله يوسف عليه السلام صبر عظيم وجلد.

قوله تعالى: {فاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ} ذكر النساء جملة ليدخل فيهن امرأة العزيز مدخل العموم بالتلويح حتى لا يقع عليها تصريح ؛ وذلك حسن عشرة وأدب ؛ وفي الكلام محذوف ، أي فاسأله أن يتعرف ما بال النسوة. قال ابن عباس: فأرسل الملك إلى النسوة وإلى امرأة العزيز - وكان قد مات العزيز فدعاهن فـ {قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ} أي ما شأنكن. {إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} وذلك أن كل واحدة منهن كلمت يوسف في حق نفسها ، على ما تقدم ، أو أراد قول كل واحدة قد ظلمت امرأة العزيز ، فكان ذلك مراودة منهن. {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ} أي معاذ الله. {مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} أي زنى. {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} لما رأت إقرارهن ببراءة يوسف ، وخافت أن يشهدن عليها إن أنكرت أقرت

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت