آل داود شكرا أي قولوا الحمد لله. و {شكرا} نصب على جهة المفعول ؛ أي اعملوا عملا هو الشكر. وكأن الصلاة والصيام والعبادات كلها هي في نفسها الشكر إذ سدت مسدة ، ويبين هذا قوله تعالى: { إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } وهو المراد بقوله { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } . وقد قال سفيان بن عينة في تأويل قوله تعالى: { أَنِ اشْكُرْ لِي } أن المراد بالشكر الصلوات الخمس. وفي صحيح مسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقوم من الليل حتى تفطر قدماه ؛ فقالت له عائشة رضي الله عنها: أتصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال:"أفلا أكون عبدا شكورا". انفرد بإخراجه مسلم. فظاهر القرآن والسنة أن الشكر بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان ؛ فالشكر بالأفعال عمل الأركان ، والشكر بالأقوال عمل اللسان. والله أعلم.
قوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } يحتمل أن يكون ، مخاطبة لآل داود ، ويحتمل أن يكون مخاطبة لمحمد صلى الله الله عليه وسلم قال ابن عطية: وعلى كل وجه ففيه تنبيه وتحريض. وسمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا يقول: اللهم اجعلني من القليل ؛ فقال عمر: ما هذا الدعاء ؟ فقال الرجل: أردت قوله تعالى: { وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ } . فقال عمر رضي الله عنه: كل الناس أعلم منك يا عمر! وروي أن سليمان عليه السلام كان يأكل الشعير ويطعم أهله الخشكار ويطعم المساكين الدرمك. وقد قيل: إنه كان يأكل الرماد ويتوسده ، والأول أصح ، إذ الرماد ليس بقوت. وروي أنه ما شبع قط ، فقيل له في ذلك فقال: أخاف إن شبعت أن أنسى الجياع. وهذا من الشكر ومن القليل ، فتأمله ، والله أعلم.
الآية: [14] { فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ }