قال القاضي: وأنا أقول إن قريشا قد رمت نبينا عليه السلام بكل ما افترته ، وعير كفار الأمم أنبياءها بكل ما أمكنها واختلقته ، مما نص الله عليه أو نقلته إلينا الرواة ، ولم نجد في شيء من ذلك تعييرا لواحد منهم برفضه آلهتهم وتقريعه بذمه بترك ما كان قد جامعهم عليه. ولوكان هذا لكانوا بذلك مبادرين ، وبتلونه في معبوده محتجين ، ولكان توبيخهم له بنهيهم عما كان يعبد قبل أفظع وأقطع في الحجة من توبيخه بنهيهم عن تركه آلهتهم وما كان يعبد آباؤهم من قبل ؛ ففي إطباقهم على الإعراض عنه دليل على أنهم لم يجدوا سبيلا إليه ؛ إذ لو كان لنقل وما سكتوا عنه كما لم يسكتوا عن تحويل القبلة وقالوا: {مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142] كما حكاه الله عنهم.
وتكلم العلماء في نبينا صلى الله عليه وسلم ؛ هل كان متعبدا بدين قبل الوحي أم لا ؛ فمنهم من منع ذلك مطلقا وأحاله عقلا. قالوا: لأنه مبعد أن يكون متبوعا من عرف تابعا ، وبنوا هذا على التحسين والتقبيح. وقالت فرقة أخرى: بالوقف في أمره عليه السلام وترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك ، إذ لم يحل الوجهين منهما العقل ولا استبان عندها في أحدهما طريق النقل ، وهذا مذهب أبي المعالي. وقالت فرقة ثالثة: إنه كان متعبدا بشرع من قبله وعاملا به ؛ ثم اختلف هؤلاء في التعيين ، فذهبت طائفة إلى أنه كان على دين عيسى فإنه ناسخ لجميع الأديان والملل قبلها ؛ فلا يجوز أن يكون النبي على دين منسوخ. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين إبراهيم ؛ لأنه من ولده وهو أبو الأنبياء. وذهبت طائفة إلى أنه كان على دين موسى ؛ لأنه أقدم الأديان. وذهبت المعتزلة إلى أنه لا بد أن يكون على دين ولكن عين الدين غير معلومة عندنا. وقد أبطل هذه الأقوال كلها أئمتنا ؛ إذ هي أقوال متعارضة وليس فيها دلالة قاطعة ، وإن كان العقل يجوز ذلك كله. والذي يقطع به أنه عليه السلام لم يكن منسوبا إلى واحد من الأنبياء نسبة تقتضي أن يكون واحدا من أمته ومخاطبا بكل شريعته ؛ بل شريعته مستقلة بنفسها مفتتحة من عند الله الحاكم جل وعز وأنه