قوله تعالى: {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى} أي صحف {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} كما في سورة"الأعلى" {صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى} [الأعلى: 19] أي لا تؤخذ نفس بدلا عن أخرى ؛ كما قال {أَنَْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وخص صحف إبراهيم وموسى بالذكر ؛ لأنه كان ما بين نوح وإبراهيم يؤخذ الرجل بجريرة أخيه وابنه وأبيه ؛ قاله الهذيل بن شرحبيل.و {أَنَْ} هذه المخففة من الثقيلة وموضعها جر بدلًا من"ما"أو يكون في موضع رفع على إضمار هو. وقرأ سعيد بن جبير وقتادة {وَفَى} خفيفة ومعناها صدق في قوله وعمله ، وهي راجعة إلى معنى قراءة الجماعة {وَفَّى} بالتشديد أي قام بجميع ما فرض عليه فلم يخرم منه شيئا. وقد مضى في"البقرة"عند قوله تعالى: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} [البقرة: 124] والتوفية الإتمام. وقال أبو بكر الوراق: قام بشرط ما آدعى ؛ وذلك أن الله تعالى قال له: {أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [البقرة: 131] فطالبه الله بصحة دعواه ، فابتلاه في ماله وولده ونفسه فوجده وافيا بذلك ؛ فذلك قوله: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} أي آدعى الإسلام ثم صحح دعواه. وقيل: وفى عمله كل يوم بأربع ركعات في صدر النهار ؛ رواه الهيثم عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وروى سهل بن سعد الساعدي عن أبيه"ألا أخبركم لم سمى الله تعالى خليله إبراهيم {الَّذِي وَفَّى} لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ} [الروم: 17] "الآية. ورواه سهل بن معاذ عن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: {وَفَّى} أي وفى ما أرسل به ، وهو قوله: {أَنْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم عليه السلام يأخذون الرجل بذنب غيره ، ويأخذون الولي بالولي في القتل والجراحة ؛ فيقتل الرجل بأبيه وابنه وأخيه وعمه وخاله وابن عمه وقريبه وزوجته وزوجها وعبده ، فبلغهم إبراهيم عليه السلام عن الله تعالى: {أَنْ لاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} وقال الحسن وقتادة وسعيد بن جبير في قوله تعالى {وَفَّى} : عمل بما أمر به وبلغ رسالات ربه. وهذا أحسن ؛ لأنه عام. وكذا قال مجاهد: {وَفَّى} بما فرض عليه. وقال أبو مالك