فهرس الكتاب

الصفحة 943 من 7446

ويجوز الضم في معنى الفتح فيكونان لغتين ، يقال: كرهت الشيء كرها وكرها وكراهة وكراهية ، وأكرهته عليه إكراها. وإنما كان الجهاد كرها لأن فيه إخراج المال ومفارقة الوطن والأهل ، والتعرض بالجسد للشجاج والجراح وقطع الأطراف وذهاب النفس ، فكانت كراهيتهم لذلك ، لا أنهم كرهوا فرض الله تعالى. وقال عكرمة في هذه الآية: إنهم كرهوه ثم أحبوه وقالوا: سمعنا وأطعنا ، وهذا لأن امتثال الأمر يتضمن مشقة ، لكن إذا عرف الثواب هان في جنبه مقاساة المشقات.

قلت: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس ، وفصد وحجامة ابتغاء العافية ودوام الصحة ، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدق.

قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا} قيل:"عسى": بمعنى قد ، قاله الأصم. وقيل: هي واجبة. و"عسى"من الله واجبة في جميع القرآن إلا قوله تعالى: {عسى ربه إن طلقكن أن يبدله} [التحريم: 5] . وقال أبو عبيدة:"عسى"من الله إيجاب ، والمعنى عسى أن تكرهوا ما في الجهاد من المشقة وهو خير لكم في أنكم تغلبون وتظفرون وتغنمون وتؤجرون ، ومن مات مات شهيدا ، وعسى أن تحبوا الدعة وترك القتال وهو شر لكم في أنكم تغلبون وتذلون ويذهب أمركم.

قلت: وهذا صحيح لا غبار عليه ، كما اتفق في بلاد الأندلس ، تركوا الجهاد وجبنوا عن القتال وأكثروا من الفرار ، فاستولى العدو على البلاد ، وأي بلاد ؟ ! وأسر وقتل وسبى واسترق ، فإنا لله وإنا إليه راجعون! ذلك بما قدمت أيدينا وكسبته! وقال الحسن في معنى الآية: لا تكرهوا الملمات الواقعة ، فلرب أمر تكرهه فيه نجاتك ، ولرب أم تحبه فيه عطبك ، وأنشد أبو سعيد الضرير:

رب أمر تتقيه ... جر أمرا ترتضيه

خفي المحبوب منه ...

وبدا المكروه فيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت