وكان عمر قد بعث أبا عبيد بن مسعود الثقفي في جيش مع المثنى بن حارثة الشيباني إلى العراق، وكان كسرى قد توفي، وقامت بوران ابنته بالملك، وصيرت رستم والفيرزان القيمين بأمر الملك، وكانا ضعيفين مهينين، فتقدم أبو عبيد الثقفي، فلقي مسلحة من مسالح الفرس، فأوقع بهم، واقتتلوا قتالًا شديدًا، ثم أظفر الله المسلمين بهم، ومنحهم أكتافهم.
وبعث إليهم رستم، لما بلغه الخبر، برجل يقال له جالينوس، فالتقوا بموضع يقال له باروسما، فانهزمت الفرس، وافتتح أبو عبيد باروسما، فوجه إليهم رستم بذي الحاجب، وبعث معه بالفيل، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، فجعلت خيل المسلمين تنفر من الفيل، فشد عليه أبو عبيد الثقفي بالسيف، فقطع مشفره، وبرك عليه الفيل فقتله، وقام بالجيش المثنى بن حارثة الشيباني، فلما انتهى الخبر إلى عمر اشتد غمه بذلك.
وقدم جرير بن عبد الله البجلي من اليمن في ركب من بجيلة، رئيسهم عرفجة بن هرثمة، حليف لهم من الأزد، فأمرهم عمر بالنفوذ إلى العراق، وأمر عليهم عرفجة، فغضب جرير وقال: والله ما الرجل منا! فقال عرفجة: صدق! فوجه عمر جرير بن عبد الله، فقدم الكوفة، ثم خرج منها فواقع مرزبان المذار، فقتله، وانهزم جيشه، وغرق أكثرهم في دجلة، ثم صار إلى النخيلة، وبها مهران في جمعه، فواقعه، فاقتتلوا قتالًا شديدًا، وشد المنذر بن حسان على مهران فطعنه فألقاه عن دابته، فبادر جرير فاحتز رأسه، فاختصما في سلبه، فأخذ جرير السلاح، والمنذر المنطقة، وذلك في سنة أربع عشر.
فلما رأت الفرس ما هم فيه من الضعف والمهانة وظهور المسلمين عليهم اجتمعوا على قتل رستم والفيرزان، ثم قالوا: إن في هذا أشتاتًا لأمرنا، فطلبوا ابن كسرى حتى وجدوا يزدجرد، وهو ابن عشرين سنة، فملكوه عليهم، فضبط أمورهم، وحسن تدبيره، واشتدت المملكة، وقوي أمر الفرس، وأخرجوا المسلمين عن المروج، فارتد أهل السواد وخرقوا العهود التي كانت في أيديهم، وصار المسلمون في الأطراف، فلما بلغ ذلك عمر أراد الخروج إلى العراق، ثم استشار، فأشير عليه بسعد بن أبي وقاص، فوجهه بثمانية آلاف، فسار حتى نزل القادسية، ووجه عتبة بن غزوان إلى كور دجلة والأبلة وأبر قباذ وميسان ففتحها، واختط البصرة، وبنى مسجدها بالقصب، وقد قيل: إن عمر وجهه لذلك.
وأقام سعد بالقادسية، ثم ظفر المسلمون ببنت آزاذمرد، وهي تزف إلى بعض الملوك وأخذوا ما كان معها من الأموال والأثقال، وفرقوها على المسلمين فطابت أنفسهم، وحسنت قوتهم.
ثم وجه سعد إلى كسرى بالنعمان بن مقرن وجماعة معه يدعونه إلى الإسلام، فدخلوا عليه في أحسن زي، وعليهم البرود والنعل، فأخبروه بما وجههم له سعد، ودعوة إلى الإسلام وإلى شهادة الحق وإلى أداء الجزية، فأغضبه ذلك، ودعا بتليس تراب فقال: احملوه على رأس سيدهم، فلو لا أن الرسل لا تقتل لقتلتهم. فقال عاصم بن عمرو التميمي: أنا سيد القوم، فحملوه التراب، فمضى مسرعًا، وقال: قد ظفرنا والله بهم، ووطئنا أرضهم. وبلغ رستم الخبر، فغلظ ذلك عليه، وقال: ما لابن الحجامة ولتدبير الملك. ويقال: إن أم يزدجرد كانت حجامة، ثم وجه رسلًا في آثارهم، ففاتوا الرسل. فاشتد رعب كسرى والفرس منهم، وأمر رستم أن يتوجه إليهم، فكره ذلك، فحمل عليه بالقول حتى خرج وهو مكره، فلما صار إلى النجف وجه إلى سعد أن ابعث إلي بقوم من عندكم لأناظرهم، فأرسل سعد المغيرة بن شعبة، وبشر بن أبي رهم، وعرفجة بن هرثمة، وحذيفة ابن محصن، وربعي بن عامر، وقرفة بن زاهر، ومذعور بن عدي، ومضارب بن يزيد، وشعبة بن مرة، وكانوا من دهاة العرب، فدخلوا عليه رجلًا رجلًا، يقول كل واحد منهم مثل مقالة صاحبه، ويدعونه إلى الإسلام، أو أداء الجزية، فتبينوا فيه أنه يهوى الدخول في الإسلام، ويخاف من أصحابه، وكلما عرض على واحد منهم لم ير عنده مسارعة، ثم خرج رستم في التعبية للجيش، وجلس على سرير من ذهب، وأقام مصافه، وعدل أصحابه، وأيقن بالهلكة. وكان منجمًا، وكتب إلى أخيه: بسم الله ولي الرحمة، من الإصبهبد رستم إلى أخيه، أما بعد، فإني رأيت المشتري في هبوط، والزهرة في علو، وهو آخر العهد منك. والسلام عليك الدهر الدائم.