فهرس الكتاب

الصفحة 163 من 319

وخطب سعد بن أبي وقاص المسلمين، فرغبهم في الجهاد، وأعلمهم ما وعد الله نبيه من النصر وإظهار الدين، ورغب كل رجل من المسلمين صاحبه، وأنشبت الحرب بينهم بعد صلاة الظهر، واقتتلوا قتالًا شديدًا وحسن بلاء المسلمين وغناؤهم، وكان سعد يومئذ عليلًا فصار إلى قصر العذيب فنزله، وتحصن فيه، فبلغ رستم فوجه خيلًا، فأحدقت بالقصر، فلما بلغ المسلمين ذلك صاروا إلى القصر، فانهزم أصحاب رستم، ثم أصبحوا من غد، فوافاهم ستة آلاف من جيش أبي عبيدة بن الجراح، وهم الذين كانوا مع خالد بن الوليد: خمسة آلاف من مضر وربيعة، وألف من أفناء المسلمين، عليهم المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكان فتح الشام قبل القادسية بشهر، فأصبحوا في اليوم الثالث على مواقفهم، وأخرج رستم الفيلة فلما نظرت إليها الكتائب كادت أن تفترق، ثم حمل المسلمون عليها ففقأوا أعينها، وقطعوا مشافرها.

وزحف المسلمون وأصبحوا، في اليوم الرابع، وللمسلمين العلو، وقتل رستم، وقع عليه عدل كان على بغل فقتله، وكان الذي طرح عليه العدل هلال ابن علفة، وصعد على سريره وصاح: قتلت رستم ورب الكعبة، إلي إلي! وقيل: قتله زهير بن عبد شمس ابن أخي جرير بن عبد الله، وقتل منهم مقتلة عظيمة، وانكشفوا مدبرين، وجمعت الأموال والأسلاب وبيع سلب رستم، فبلغ سهم الرجل لكل فارس أربعة عشر ألفًا، وسهم الراجل سبعة آلاف ومائة، ورضخ لعيال الشهداء من صلب الفيء، ورضخ للنساء من صلب الفيء، فأما العبيد فإنهم عفوا، وأوفد سعد إلى عمر وفدا، فأجازهم عمر ثمانين دينارًا ثمانين دينارًا.

وكان بالقادسية من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل بدر سبعون رجلًا، ومن أهل بيعة الرضوان ومن شهد الفتح مائة وعشرون، ومن أصحاب رسول الله مائة. ونفرت جميع الفرس إلى المدائن منهزمين لا يلوون على شيء، ويزدجرد الملك بها، فأتبعهم سعد بالمسلمين، فحاصرهم شهرًا وخمسة عشر يومًا، ثم خرج الفرس هاربين، وفتحت المدائن، وقيل إن ذلك كان في سنة ستة عشر.

وفيها أرخ عمر الكتب، وأراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول الله، ثم قال: من المبعث، فأشار عليه على بن أبي طالب أن يكتبه من الهجرة، فكتبه من الهجرة.

وتوجه عتبة بن غزوان إلى عمر، واستخلف على البصرة مجاشع بن مسعود السلمي، والمغيرة بن شعبة في الجيش، فلما شخص عتبة جاء من كان بميسان، ومن كان بكور دجلة من الأعاجم، وعليهم الفيلكان، فجمع لهم المغيرة بن شعبة عدة من المسلمين، فسار بهم حتى لقي الأعاجم بميسان، فهزمهم وسبى أهلها عنوة، وكتب المغيرة بذلك إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر لعتبة: استعمل أهل الوبر على أهل المدر، وكتب إلى المغيرة: إنك خليفة عتبة بن غزوان حتى يقدم عتبة، وخرج عتبة من عند عمر، فلما كان بين المدينة والبصرة توفي عتبة، فكتب عمر إلى المغيرة بولايته على البصرة.

فلما كانت وقعة القادسية صار المغيرة إلى سعد ثم رجع إلى عمله، وكان يختلف إلى امرأة من بني هلال يقال لها: أم جميل زوجة الحجاج بن عتيك الثقفي، فاستراب به جماعة من المسلمين، فرصده أبو بكر، ونافع بن الحارث، وشبل بن معبد، وزياد بن عبيد، حتى دخل إليها فرفعت الريح الستر فإذا به عليها، فوفد على عمر، فسمع عمر صوت أبي بكرة وبينه وبينه حجاب، فقال: أبو بكرة؟ قال: نعم. قال: لقد جئت ببشر؟ قال: إنما جاء به المغيرة. ثم قص عليه القصة، فبعث عمر أبا موسى الأشعري عاملا مكانه، وأمره أن يشخص المغيرة، فلما قدم عليه جمع بينه وبين الشهود، فشهد الثلاثة، وأقبل زياد، فلما رآه عمر قال: أرى وجه رجل لا يخزي الله به رجلًا من أصحاب محمد، فلما دنا قال: ما عندك يا سلح العقاب؟ قال: رأيت أمرًا قبيحًا، وسمعت نفسًا عاليًا، ورأيت أرجلًا مختلفة، ولم أر الذي مثل الميل في المكحلة. فجلد عمر أبا بكرة، ونافعًا، وشبل بن معبد، فقام أبو بكرة وقال: أشهد إن المغيرة زان، فأراد عمر أن يجلده ثانية، فقال له: علي إذا توفي صاحبك حجارة. وكان عمر إذا رأى المغيرة قال: يا مغيرة! ما رأيتك قط إلا خشيت أن يرجمني الله بالحجارة. وكان بالبصرة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانية وستون رجلًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت