فهرس الكتاب

الصفحة 254 من 319

وكان النعمان بن يزيد بن عبد الملك جالسًا إلى جنب عبد الله بن علي، فقال له: كذبت يا ابن اللخناء! فقال له عبد الله بن علي: بل صدقت يا أبا محمد، فامض لقولك! ثم أقبل عليهم عبد الله بن علي، فذكر لهم قتل الحسين وأهل بيته، ثم صفق بيده فضرب القوم رؤوسهم بالعمد حتى أتوا عليهم، فناداه رجل من أقصى القوم:

عبد شمس أبوك وهو أبونا ... لا نناديك من مكان بعيد

فالقرابات بيننا واشجات ... محكمات القوى بعقد شديد

فقال: هيهات! قطع ذلك قتل الحسين! ثم أمر بهم، فسحبوا، فطرحت عليهم البسط وجلس عليها، ودعا بالطعام، فأكل، فقال: يوم كيوم الحسين بن علي ولا سواء. وكان قد دخل معهم... قال: رجوت أن ينالوا خيرًا، فنال معهم، فقال عبد الله بن علي:

ومدخل رأسه لم يدنه أحد ... بين الفريقين حتى لزه القرن

اضربا عنقه. وقدم عبد الله بن علي دمشق في شهر رمضان سنة 132، فحاصرها، واستغاث الناس، ووجهوا إليه بيحيى بن بحر يطلب لهم الأمان، فخرج إليه، فسأله الأمان، فأجابه إلى ذلك، فدخل فنادى في الناس الأمان، فخرج خلق من الخلق، ثم قال له يحيى بن بحر: اكتب لنا، أيها الأمير، كتاب الأمان، فدعا بدواة وقرطاس، ثم ضرب ببصره نحو المدينة، فإذا بالسور قد غشيه المسودة، فقال له: قد دخلتها قسرًا فقال يحيى: لا والله، ولكن غدرًا. فقال عبد الله: لو لا ما أعرف من مودتك لنا، أهل البيت، لضربت عنقك، إذ استقبلتني بهذا، ثم ندم، فقال: يا غلام خذ هذا العلم فاركزه في داره، وناد من دخل دار يحيى بن بحر فهو آمن. فانحشر الناس إليها، فما قتل فيها، ولا في الدور التي تليها أحد.

ونادى المنادي بعد أن قتل خلق كثير من الخلق: الناس آمنون، إلا خمسة: الوليد بن معاوية، ويزيد بن معاوية، وأبان بن عبد العزيز، وصالح بن محمد، ومحمد بن زكرياء.

وصار عبد الله بن علي إلى المسجد الجامع، فخطبهم خطبة مشهورة يذكر فيها بني أمية وجورهم وعداوتهم، وانهم اتخذوا دين الله هزؤًا ولعبًا، ويصف ما استحلوا من المحارم والمظالم والمأثم، وما ساروا به في أمة محمد من تعطيل الأحكام وازدراء الحدود والاستئثار بالفيء، وارتكاب القبيح، وانتقام الله منهم، وتسليط سيف الحق عليهم، ثم نزل.

ويقال إن أبا العباس كتب إليه: خذ بثأرك من بني أمية، ففعل بهم ما فعل، ووجه فنبش قبور بني أمية، فأخرجهم وأحرقهم بالنار، فما ترك منهم أحدًا، ولما صار إلى رصافة أخرج هشام بن عبد الملك، ووجده في مغارة على سريره، قد طلى بماء يبقيه، فأخرجه، فضرب وجهه بالعمود، وأقامه بين العقابين فضربه مائة وعشرين سوطا، وهو يتناثر، ثم جمعه فحرقه بالنار. وقال عبد الله عند ذلك: إن أبي، يعني علي بن عبد الله، كان يصلي يومًا، وعليه إزار ورداء، فسقط الرداء عنه، فرأيت في ظهره آثار السياط، فلما فرغ من صلاته قلت: يا أبة! جعلني الله فداءك، ما هذا؟ فقال: إن الأحول، يعني هشامًا، أخذني ظلمًا، فضربني ستين سوطًا، فعاهدت الله إن ظفرت به أن أضربه بكل سوط سوطين.

وخرج حبيب بن مرة المري بالحوران فبيض ونصب رجلًا من بني أمية فزحف إليه عبد الله بن علي فقتله وفرق جمعه.

وكان عامل مروان على إفريقية عبد الرحمن بن حبيب العقبي فقدمها سنة 127 ولم يزل مقيمًا بها حتى قتل مروان فلما علم أهل إفريقية بقتل مروان وثبت عليه جماعة من أهل البلد منهم عقبة بن الوليد الصدفي من ناحية... وتفرقت بنو أمية بعد قتل مروان فخلف منهم بإفريقية جماعة فصاروا إلى عبد الرحمن بن حبيب فأقام عبد الرحمن على محاربة أصحاب أبي العباس فوثب به أخوه إلياس بن حبيب فدعا إلى بني العباس فبايعه الناس وأخذ من صار إلى إفريقية من بني أمية فحبسهم وكتب بخبرهم إلى أبي العباس.

ووثب أهل الموصل على عاملهم فانتهبوه وأخرجوه فولى أبو العباس أخاه يحيى بن محمد بن علي الموصل وضم إليه أربعة آلاف رجل من أهل خراسان فقدمها في سنة 133 فقتل من أهلها خلقا عظيما وقيل إنه اعترض الناس في يوم جمعة فقتل ثمانية عشر ألف إنسان من صليب العرب ثم قتل عبيدهم ومواليهم حتى أفناهم فجرت دماؤهم فغيرت ماء دجلة فلم يعرف لأهل الموصل وثوب إلى هذه الغاية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت