فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 319

وبعث أبو جعفر برسل يحصون ما حصل في يد أبي مسلم من الخزائن والأموال، منهم: إسحاق بن مسلم العقيلي، ويقطين بن موسى، ومحمد بن عمرو النصيبي التغلبي، فغضب أبو مسلم، وقال أؤتمن على الدماء، ولا أؤتمن على الأموال، وشتم يقطين بن موسى، فقال يقطين لما رأى ما داخله عليه: امرأتي طالق ثلاثًا إن كان أمير المؤمنين وجهني إليك إلا مهنئًا بالفتح، فاستخف بإسحاق بن مسلم، ومحمد بن عمرو، وشتمهما، وتناول أبا جعفر بلسانه حتى ذكر أمه وقال: ويلي على ابن سلامة فانصرف القوم إلى أبي جعفر فأخبروه الخبر فزاد ذلك فيما في قلبه عليه وولى هشام بن عمرو العقيلي مكان أبي مسلم فانصرف أبو مسلم وأقبل يريد خراسان مغاضبا لأبي جعفر فمر بالمدائن وأبو جعفر نازل برومية وبينه وبينه فرسخان فلم يلقه ونفذ لوجهه حتى جاز حلوان فاتبعه أبو جعفر بعيسى بن موسى وجرير بن عبد الله البجلي ونفر معهما من الشيعة فلحقوه فعظموا عليه الخطب وقالوا له: إن الأمر لم يبلغ حيث تظن فشاور مالك بن الهيثم وكان خليفته وقال: ما ترى قال: أرى أن تصير إلى خراسان فتستعتب الرجل منها وتكتب إليه منها سمعك وطاعتك فإذا فعلت ذلك لم يلحقك لوم وإلا فهو آخر عهدك بالدنيا إن وقعت عينه عليك. فما زال رسل أبي جعفر حتى فتلوه عن رأيه وأقبل نحو العراق فلما جاز عقبة حلوان قال لمالك بن الهيثم: ما الرأي قال: الرأي تركته وراء العقبة. فقال: إني والله لا أقتل إلا بأرض الروم. وقدم على أبي جعفر وهو نازل برومية في المضارب فقال له: كدت أن تنفذ قبل أن أفضي إليك بما أحتاج إليه. فمكث يختلف إليه أيامًا ثم أتاه يومًا وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك وكان على حرسه في عدة وهم: شبيب بن واج وأبو حنيفة وتقدم إلى عثمان فقال: إذا علا صوتي وصفقت بيدي فاقتلوا العبد.

ودخل أبو مسلم فاجلس في الحجرة وقيل له: أمير المؤمنين على شغل. فجلس مليًا ثم أذن له وقيل له: انزع سيفك! فقال: ولم قيل: وما عليك فلم يزالوا به حتى نزع سيفه ثم دخل وليس في البيت إلا وسادة فجلس عليها ثم قال: يا أمير المؤمنين فعل بي ما لم يفعل بأحد أخذ سيفي عن عاتقي قال: ومن فعل بك هذا قبحه الله فأقبل أبو مسلم يتكلم فقال له: يا ابن اللخناء إنك لمستعظم غير العظيم ألست الكاتب إلى تبدأ باسمك على اسمي ألست الذي كتبت إلى تخطب عمتي آمنة بنت علي وتزعم أنك من ولد سليط بن عبد الله ألست الفاعل كذا والفاعل كذا وجعل يعد عليه أمورًا فلما رأى أبو مسلم ما قد دخله قال: يا أمير المؤمنين إن قدري أصغر من أن يدخلك كل ما أرى. فعلا صوت أبي جعفر وصفق بيديه فخرج القوم فضربوه بأسيافهم فصاح: أوه ألا مغيث ألا ناصر وهم يضربونه حتى قتلوه فلما قتل قال أبو جعفر:

اشرب بكأس كنت تسقى بها ... أمر في فيك من العلقم

كنت حسبت الدين لا يقتضي ... كذبت والله أبا مجرم

وكفن في مسح وصير في جانب المضرب وقيل لأصحابه: اجتمعوا فإن أمير المؤمنين قد أمر أن ينثر عليكم الدراهم ونثرت عليهم بدرة دراهم فلما أكبوا يلتقطونها طرح عليهم رأس أبي مسلم فلما نظروا إليه أسقط ما في أيديهم وعرتهم ضعضعة وكان ذلك في شعبان سنة 137 وخرج قوم من أصحاب أبي مسلم إلى خراسان فصاروا إلى سنباذ وسنباذ بنيسابور فلما بلغه قتل أبي مسلم أظهر المعصية وخرج يطلب بدمه حتى اضطرب خراسان فوجه أبو جعفر جهور بن مرار فلقي سنباذ فواقعه فقتله وفرق جمعه.

وبلغ أبا جعفر مكان عبد الله بن علي عند سليمان بن علي وهو إذ ذاك عامل البصرة فوجه إلى سليمان فأنكر أن يكون عنده ثم طلب الأمان فكتبه له أبو جعفر على نسخة وضعها ابن المقفع بأغلظ العهود والمواثيق ألا يناله بمكروه وألا يحتال عليه في ذلك بحيلة وكان في الأمان: فإن أنا فعلت أو دسست فالمسلمون براء من بيعتي وفي حل من الأيمان والعهود التي أخذتها عليهم فلما وقف أبو جعفر على هذا قال: من كتبه؟ قيل: ابن المقفع فكان ذلك سببًا لميتة ابن المقفع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت