وخرج إبراهيم من البصرة واستخلف نميلة بن مرة الأسعدي وكان قد أحصى ديوانه فكانوا ستين ألفًا فخرج من البصرة في أول ذي القعدة فأخذ على كسكر يقصد المنصور وكان أبو جعفر قد كتب إلى عيسى بن موسى يأمره بسرعة القدوم فلما وصله قال له: يا أبا موسى أنت أولى بالفتح من جعفر ومحمد ابني سليمان فأنفذ ليكمل الله الظفر على يديك فخرج في ثمانية عشر ألفًا من الجند وشيعة أبي جعفر وكتب إلى جعفر ومحمد ابني سليمان ابن علي أن يصيرا معه.
وزحف إبراهيم حتى صار إلى قرية يقال لها باخمرا وصار عيسى بن موسى إلى قرية يقال لها سحًا وقدم حميد بن قحطبة الطائي للقتال والتحمت الحرب وكانت أشد حرب والدائرة على عيسى بن موسى حتى شك الناس في علو إبراهيم وظفره ثم إن سلم بن قتيبة الباهلي خرج على أصحاب إبراهيم من ناحية بخيل فتوهموا كمينا فانهزموا وبقي إبراهيم في أربعمائة من الزيدية يحارب أشد محاربة وكان إبراهيم يدعو إلى أخيه محمد فلما قتل محمد دعا إلى نفسه.
وحدثني رجل من القحطانية قال: أخبرني... قال: رأيت إبراهيم في اليوم الذي واقعه عيسى على بغلة دهماء وسديف بن ميمون آخذ بثفر بغلته وهو يقول:
خذها أبا إسحاق مليتها ... في سيرة ترضى وعمر طويل
وظهر إبراهيم ظهورًا شديدًا حتى هزم العسكر مرة بعد أخرى وزحف حتى قرب من الكوفة وحتى دعا أبو جعفر بنجائبه ليصير إلى بغداد وكان العلو في إبراهيم حتى أنه لم يشك أنه يدخل الكوفة.
وكان أبو جعفر لا ينام في تلك الليالي وحمل إليه امرأتان فاطمة بنت محمد الطلحية وأم الكريم بنت عبد الله من ولد خالد بن أسيد فوجه بهما إلى بغداد ولم يكشف لهما كشفًا.
ولما أن هزم أصحاب إبراهيم قام يحارب أشد حرب في أربعمائة من أصحابه إلى أن قتل وأخذ رأسه فوجه به إلى أبي جعفر وهو بالكوفة فوضع بين يديه وأذن للناس فجعلوا يدخلون فينالون من إبراهيم وأخيه وأهله حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني فقال: أعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرط فيه من حقك فسر بذلك أبو جعفر وقال: أبا خالد مرحبًا وأهلًا هاهنا فعلم الناس أنه قد سرته مقالته فقالوا مثل قوله.
وأتاه الحسن بن زيد فعرض عليه الرأس فلما رآه استنقع لونه وتغير وجهه فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد قتلته صواما قوامًا وما كنت أحب أن تبوء بإثمه فقال له رجل من أهله: كأنك تزري على أمير المؤمنين في قتله فقال: كأنك أردت مني أن أكذب عليه وقد صار إلى الله فقال أبو جعفر: والله ما كنت أنتظر إلا أن يدخل صاحبك من ذلك الباب فأدعو بك فأضرب عنقك واخرج من الباب الآخر فقال له: أو كنت أسبقك إلى ذلك.
وانصرف أبو جعفر بعد قتل إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بثلاثة أشهر فنزل مدينة بغداد نزول مستوطن في شهر ربيع الأول سنة 146 وكان ذلك من شهور العجم في تموز وأشخص المهدي إلى خراسان عاملًا عليها ومعه وجوه الجند والصحابة فاجتمع قواد خراسان إلى أبي جعفر وذكروا له فعال المهدي في نبل أخلاقه ومدحوه وسألوه أن يصير إليه تولية العهد من بعده فكتب إلى عيسى بن موسى وهو بالكوفة يعلمه ما قد وقع بقلوب أهل خراسان وغيرهم من هذا الأمر وكان عيسى بن موسى يقول: إن له ولاية العهد بعد أبي جعفر فلما ورد عليه كتاب أبي جعفر بما اجتمع عليه القواد وأهل خراسان من تصيير ولاية العهد من بعده للمهدي وأشار عليه بأن يسبق إلى ذلك كتب إليه عيسى يعظم عليه هذا الأمر ويذكر له ما في نكث العهود ونقض الأيمان وأنه لا يأمن أن يفعل الناس هذا في بيعته وبيعة ابنه وجرت بينهما مراسلات. وقدم عيسى بغداد فوثب به الجند يومًا بعد يوم وصاروا إلى بابه حتى خاف على نفسه فلما رأى ذلك رضي وسلم فبايع المنصور بولاية العهد لابنه المهدي سنة 147 ولم يبق أحد إلا دخل في البيعة وجعل لعيسى ولاية العهد بعد المهدي والمهدي يومئذ بخراسان وأتته كتب أبيه بالبيعة له فبايع من معه من القواد وأهل خراسان جميعًا خلا باذغيس فإنه خالف بها استاذسيس فادعى النبوة وصحبه على ذلك خلق كثير فوجه إليه المهدي خازم بن خزيمة التميمي فحاربه ففض جموعه فأسره وحمله إلى أبي جعفر إلى بغداد فقتله وفي هذه السنة كان انقضاض الكواكب.
؟وفاة أبي عبد الله جعفر بن محمد وآدابه