هذا مما دفعهم إلى التعرف أكثر وأكثر على جغرافيا بعض البلدان النائية، سواء في إفريقيا أو آسيا أو في جزر المحيطات. وقد ساعد على ذلك دقة المشاهدة وعمق الملاحظة.ولذا يمكننا القول بأن الجغرافيين العرب قد سبقوا الإغريق والرومان في هذا الشأن، إذ إن معلوماتهم الجغرافيّة قد نالت قصب السبق، وذلك لاتساع ميدانهم الجغرافي باتساع رقعة أراضيهم. ومن الجدير بالذكر هنا ما أفصح به العالم المرموق عبدالرحمن بن خلدون (ت 808هـ - 1405م) في مقدمته الشهيرة عن طبائع البشر وسيرهم وعاداتهم وتفاعلهم مع بيئاتهم المختلفة. ونظرًا لأهمية هذه المقدمة فقد ترجمت إلى معظم اللغات الأوروبية، وهذا مالم ينله أي كتاب عربي آخر.
العصور الوسطى والترجمة إلى اللاتينية. . في العصور الوسيطة وما تلاها من عصور النهضة العلمية في أوروبا كان للترجمة من العربية إلى اللاتينية شأن عظيم، فحظيت كتب العرب الجغرافية ـ سواء الوصفية أو الطبيعية أو الفلكية أو الرياضية ـ بنصيب كبير، مما أيقظ الفكر الأوروبي من سباته، فأنار ظلماته بعد أن تخبط في دياجيرها ردحًا من الزمن، إذ قام أفلاطون التيفولي وروبير الشستري وغيرهما بترجمة بعض الكتب الجغرافية العربية إلى اللغة اللاتينية في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي. وأعقب هذا الازدهار حركةُ الكشوف الجغرافية التي استمرت حتى العصور الوسطى المتأخرة.
اقتصر الجغرافيون العرب على إصدار بعض المعاجم الجغرافية مثل: معجم ما استعجم لعبدالله بن عمرو البكري (ت 487هـ - 1094م) ، و معجم البلدان لياقوت بن عبدالله الحموي (ت 627هـ - 1229م) ، أو القيام بالرحلات التي جمعت بين الحقيقة والخيال، وبذلك تكون قد خرجت عن المفهوم الجغرافي العلمي. وخير مثال لذلك كتاب العمدة المهرية لكاتبه سليمان المهري.