ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم نصوص تأذن بكتابة الحديث النبوي. ونصوص معارضة فيها النهي عن كتابته. فمن النصوص التي تأذن قوله ³ ( اكتبوا لأبي شاة ...) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما. وقوله ³ لعبد الله بن عمرو بن العاص عندما لامه بعض الصحابة على الكتابة في حال غضب الرسول ³: ( اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق ) . أخرجه أحمد وابن سعد وغيرهما. ومن النصوص التي تنهى عن الكتابة قوله ³ في حديث أبي سعيد الخدري ( لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه ) . أخرجه مسلم وأحمد وغيرهما. وقوله في حديث زيد ابن ثابت أنه دخل على معاوية فسأله عن حديث فأمر إنسانًا يكتبه. فقال له زيد: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمرنا أن لا نكتب شيئًا من حديثه فمحاه. أخرجه الخطيب البغدادي في كتاب تقييد العلم.
وفي كتاب تقييد العلم للبغدادي وكتاب دراسات في الحديث النبوي لمحمد مصطفى الأعظمي المزيد من النصوص في هذا القبيل. وفيهما أيضًا أقوال للعلماء في التوفيق بين هذه الأحاديث ودفع تعارضها الظاهري. من هذه الأقوال إن النهي منصب على كتابة الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة مخافة الاختلاط به، فإذا أمن ذلك فلا بأس من كتابته، ويؤيد ذلك أن نسخًا أو صحفًا حديثية عدة قد كتبت في زمن الصحابة كانت هي الأساس للتدوين فيما بعد. ويمكن القول: إن التدوين في هذا العصر كان تدوينًا خاصًا منبثقًا عن الاجتهاد الفردي، إلى أن كان زمن خلافة عمر بن عبد العزيز (99 -101هـ) حيث تذكر المصادر أنه كتب إلى عامله في المدينة أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وإلى غيره من العمال وإلى أهل الآفاق يدعوهم لكتابة الحديث خوفًا من دروس العلم وذهاب أهله. وكان أول من استجاب له عالم المدينة محمد بن مسلم ابن شهاب الزهري. ودوَّن له في ذلك كتابًا كان عمر يبعث إلى كل أرض دفترًا من دفاتره.