الدولة العثمانية. هذا العامل أكثر تأثيرًا من العامل الأول في ظهور النظم السياسية المعاصرة، وهو طبيعة حكم الدولة العثمانية، فعندما شمل حكم العثمانيين البلاد العربية، كان الوطن العربي في حالة تفكك وانحلال، وكان يمثل إحدى ثلاث وثبات في تاريخ الفتوحات الإسلامية؛ الأولى بين عامي 630 - 730 م، والثانية بين عامي 1000 و 1100م، والثالثة بين عامي 1326 و1556م. ووجد العرب أنفسهم يعيشون في ظل أقوى دولة إسلامية تحت قيادة الأتراك العثمانيين، تجمعهم رابطة متينة هي رابطة العقيدة الإسلامية.
كان العثمانيون في بادئ أمرهم ينظرون إلى الولايات التي يتكلم أهلها العربية نظرة تكريم، لم ينظروا بها إلى سائر الولايات التي دخلت في دولة السلطان. وبذلك، عاش العرب فترة طويلة من الزمن في أمن وسلام بعيدًا عن الأخطار الخارجية. وكانت الدولة العثمانية، منذ تأسيسها حتى زمن سقوطها، دولة تكرس قواها في سبيل تقوية شوكة الإسلام وحمايته ضد أي اعتداء خارجي. وقد ظل العثمانيون طوال ستة قرون تقريبًا في حرب مستمرة ضد الغرب الصليبي، أولًا لمحاولة نشر حكم إسلامي على جزء كبير من أوروبا، وهي محاولة حالفها النجاح، وثانيًا لشن حرب دفاعية في وجه الهجوم المعاكس الذي قام به الغرب. هذا بالإضافة إلى نشر الإسلام في أجزاء أخرى من العالم وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية.