أما عن علاقة المسجد بالنسيج العمراني، فقد حدد الرسول الكريم ³ مفهوم هذا النسيج: في الحديث الشريف عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر ببنيان المساجد في الدور وأمر بها أن تنظف وتطيّب (أخرجه أحمد بإسناد جيد) . وفي هذا الحديث دلالة على أن المسجد لم يكن بناءً تذكاريًا بل هو جزء لا يتجزأ من النسيج العمراني للمدينة الإسلامية يتكامل معها ويترابط بها عضويًا. ولما كان المسجد هو مركز الإشعاع في المجتمع الإسلامي، بل هو محور المدينة، كان على المعماري المسلم أن يتخذ موقع المسجد في قلب التجمع العمراني، تلتف من حوله مراكز الخدمات الإدارية والأمنية والمالية والتعليمية والاجتماعية حتى تكون متصلة روحيًا وسلوكيًا مع تعاليم الإسلام. ولذلك، ارتبطت تواريخ المساجد الجامعة في الأمصار الإسلامية بالتاريخ الحضاري والاجتماعي والسياسي للجماعة الإسلامية. وكان يقال إن الشعر ديوان العرب، وهي حقيقة تؤيدها الأدلة، بينما الحقيقة أيضًا أن المساجد ديوان أمم الإسلام. فقد كان جامع عمرو بن العاص في مصر سجلًا لتاريخ العصور الإسلامية في مصر، وكذلك كان المسجد الجامع في القيروان بمثابة فصول كاملة من تاريخ إفريقيا والمغرب عامة. وأكبر دليل على ذلك هو المسجد الجامع في قرطبة؛ إذ إن عمارته تؤرخ لأمراء البيت الأموي الأندلسي واحدًا واحدًا، فما منهم أمير أو خليفة إلا وحرص على أن يضيف إليه ويتشرف بتسجيل اسمه على جدرانه، وينطبق هذا الحديث على جامع الأزهر الفاطمي بمصر.
أما المسجد الحرام والمسجد النبوي فهما يؤرخان لدولة الإسلام وحضارتها وما زالت عمارتهما تؤكد على ذلك.
الخلاصة أن أول ما يُعنى به المسلمون في كل فتح من فتوحاتهم أن يقيموا مسجدًا جامعًا للصلاة، يحرصون على أن يكون موقع المسجد في وسط المدينة الجديدة، ومجاورًا في نفس الوقت لدار الإمارة أو بيت الخليفة أسوة بما كان في مسجد الرسول ³ بالمدينة.