لمّا سقَطت دولةُ الإسلامِ"أفغانستان"عرفنا معنى التّيه، ولِمَ لا، فنحنُ من عاشرْنا التشرّد، وتخطّفتنا أيادي الغدْر في البُلدان، وبالكادِ استرَحنا من عَناء الأسفار وتفرّق الإخوان، فرَحلنا ورحَل معي كثيرٌ مِن إخْواني، وما زِلْت أتقلّب من بلدٍ إلى بلد حتّى تفرّقنا كلّ مفرقِ، وأجهزَ المجوسُ في إيرانَ على منْ تبقّى مِنْ إخواني بعد خديعةٍ عظيمة، فجلسْت يومًا أتذكّر حلاوةَ الصّحبة وطعْم المحبّة في حلْقي شهد، وإذا بي أفوقُ على مَرارة الفُرقة وحقيقتها، فتذكّرت أبا السّماحِ ذاك الشّهْم الشُّجاع الكَريم النّبيل، وأين هو موضعه الآن، فكتبت أقول:
تاقَ الفؤادُ لِصحْبةٍ ميمونةٍ ... أينَ الأحبةُ بَلسَمُ الأحزانِ
منذُ الفراق فلا عَرفْتُ بشاشةً ... تشفي عليلَ عاشقِ الإخوانِ
عودوا إليّ أحِبَّتي لو ساعَةً ... فالعيشُ دونَ ظِلالِكُمْ أعْياني
عَلّي أضِيءُ النَّفسَ مِنْ مِصباحِكُمْ ... ما قيمةُ الرَّاعِي بِلا عينان
إنْ غابَ عَنّي شخْصُكمْ وضياؤكُمْ ... فالحبُّ نورٌ شاهقُ البنيانِ
وأبَا السَّماحِ دموعُنا فيَّاضةٌ ... مِنْ هَوْل ِما حَطّ عَلى الولهانِ
مَكروا كَبيرًا يا أُخَيَّ فَلنْ يروا ... إلا رِماحًا في عُيونِ الجاني
مهْما تطاوَلَ إفْكُهُمْ فَكأنَّهمْ ... حَشراتُ ليْلٍ هاويَ النيرانِ
هذا أخوكَ يُذِيقُهمْ كَأسَ الرَّدَى ... ويردُّ صاعًا في الوغى صَاعانِ
إنْ كانَ بَعْدُ بَقيّة في عمرنا ... فالسيفُ رَمْزي والقتالُ بَياني
لا خيرَ فِي عَيْشٍ بِغَيْرِ كَرامَةٍ ... إنَّ الكَرامَةَ حُلّةُ الإيمان
ـــــــــ