لمّا اشتدّ الخطْب في حربِ الفلّوجة الثّانية، وبدأ العَدو يقتَرب بجرّافاته من بَيتِنا، فأخذَ يهدمُ البُيوت، البيتَ تِلْو الآخر، وأيقَن الجميعُ بدُنوّ الأجَل، وجَلس الإخوةُ في مواقِعهم، هذا بـ"البيكا"بالقربِ من البابِ وآخر يراقبُ من الشّباك، كرِهَتْ نفسي الموْت، وبدا أمامي أهلي ووَلدي، وكنتُ أدّعي حبّ الشّهادة، فحزِنتُ علَى نفسي وحَاولْتُ إصْلاحَها وتوبيخَها، فقلتُ في الحال:
يا نفسُ طِيبي بِاللقاءْ ... ماذا ابتغيتِ بِالبقاءْ؟
يا نفسُ حقًَّا قَد أتى ... كَذِبًَا تُريدينَ السَّماءْ؟
الطينُ أصلُكِ يا دُنا ... أفلا تُجيبينَ النِّداءْ؟
نِداءُ ربي بالقِرَى ... عِندَ النبي والبهاءْ
يا نفسُ هيَّا لِلهنا ... وتَحرَّرِي مِنَ ذا العناءْ
ليس الشهيدُ بميِّتٍ ... الروحٌ تَرقى في اجتباءْ
الروحُ تَلقى ربَّها ... حيثُ الثوابَ والاصطفاءْ
في جَوفِ طَيرٍ سارحٍ ... مِنَ الجِنانِ كما تَشاءْ
الموتُ أقبلَ زاحفًا ... يجني بأغصَانِ الرَّجاءْ
يَضحكُ من طُولِ الأمل ... فَهَلُمَّ يا حقَّ القضاءْ
ــــــــــــ