كنتُ أثناءَ معاركِ الفلّوجة الأولى واقفًا مع زُمرة منْ أسود التّوحيد حوالي السّاعة الثّالثة فجرًا، وإذا بصاروخٍ يُفرّق أجسَادنا ثمّ ثانٍ وثالثٍ، فاستُشهد في الحالِ حوَالي عشرة من الإخوة، وأُصِبْتُ حينَها إصابةً بسيطةً بحمد الله، وكانَ قد سبَق هذه الحادثةَ رحيلُ الأسَديْن: الحاجّ ثامرْ وأبي فارس الأنصارييّن، فجلستُ في البيْت مهمومًا، فلا أنا في ساحات الوَغى أشفِي غليلي، ولا أنا فُزتُ بجنّة عَرضها السّمواتُ والأرض، فجَلستُ أُعيّر نَفسي فكانت هذه المشاعرُ، وكانَ ذلك في بيتِ القائد عُمَر حَديد الكائن بحي الجُولان:
وَجِلٌ عَلى الأشوَاكِ أمشي باكيا ... في ظُلمَةِ الليلِ البَهيمِ مناديا
أينَ الحبيبُ وأينَ حُسنُ حَديثِهِ ... مَن للضَّعِيفِ يُعينُهُ وهاديا
كواكبُ النُّورِ مَضَت تترَنَّمُ ... مَن باعَ نفْسًا نالَ روضًا عَاليا
نحنُ الذينَ تاجَروا لربِّهم ... الصَّادقونَ الرَّابحونَ ... بِناديا
هانَت نفُوسُنا فَعزَّ مَقامُنا ... هَذا الجَزاءُ يا تقيًا غَازِيا
فقوافلُ الشُّهَداءِ بَرقٌ خاطِفٌ ... رِيحُ العبيرِ تَحُفُّهُم فَحَنانِيا
أنا الصَّديقُ والرَّفيقُ بِمحنَةٍ ... دامت عَليَّ فلا حَبِيبًا حاديا
أنا الَّذِي قَعَدَت بِهِ ذُنُوبُهُ ... أشعُرُ أنِّي بِالمَعاصِي عَاريا
وَحدِي بَقِيتُ فَلا تُعَزّوا مُكْلَمًَا ... هَيَّا خُذُونِي لا أُريدُ مُعَزِّيا
حَسبِي أُخَيَّ بِأنَنَا نُحبُّكُم ... هَل يَنفَعُ الحُبُّ قَعِيدًا جَانيا
ــــــــ