بُعَيد سُقوط بغداد كنتُ ومن معيَ منَ الإخوة لا نَدري ما نَفعل، فنحنُ حديثو عهدٍ بالبلاد ولا صديقَ أو مُعينَ إلا ما نَدَر، وسارَت شائعاتٌ عنِ العَرب الأجانب، وكانت جميعُ أوراقنا مزوّرة ولا تصلح للسّفر مرّة أخرى، فاتّصلت على الإخوة في دولةٍ مجاورة واتفقت معهم أن نأتي إليهم قريبًا، لكنّه سُرعان ما قُبض على الأخ المستقبِل، وضاع الاتّصال بالإخوة تمامًا، ودارت بنا الأرض أين نذهب؟، وماذا نفعل؟، عِندنا أطفالٌ ونساءٌ، هل يتحمّلون عناءَ التّهريب برًا وكانت هناك حوامل، فخنقَتني عبْرة وكتبت أقول:
حتّى متى نتيهُ في أوطاننا ... كسفينةٍ صارتْ بلا ربّانِ
أنّى اتّجهتُ بِأرضِنا فوجدتُها ... أرضَ البلاءِ عبوسةَ الجدرانِ
بحرُ الحياةِ كئيبةٌ أعماقُهُ ... لا خيرَ في بحرٍ كئيبٍ فانِي
الضوءُ فيهِ لا يُجاوزُ قدْرَهُ ... موجٌ مريعٌ حاجبُ الشطآنِ
يا بانيَ الأحلامِ هلاّ يقظةٌ ... فالحلمُ حتمًا ساقطُ الأركانِ
الموتُ حقٌّ والحياةُ سرابُنا ... كُتِبَ الفناءُ لزمرةِ الثقلانِ
شَرِّق وغرّبْ يا أُخيّ فلنْ تَجدْ ... دنيا تَسُرُّ فجهزِ الأكفانِ
إمّا مفارقٌ أهله أو مُبْتلى ... فالموتُ يا صاحبي قريبٌ دانِي
يا ربِّ قتلًا لا أكونُ أسيرَهُم ... فالأسرُ أسوأُ حالةِ الإنسانِ
قهرُ الرجالِ وذلِّهم لرزيةٌ ... فالحرُّ يقْتُلهُ سبابُ لِسان
ــــــــــــ