هذه القَصيدة كَتبتُها وقد أُحيط بيتُنا من كلّ مكانٍ واشتدّ القَصْف وزحَف العَدوّ إلينا، وسَحب الإخوةُ الأقْسام واستعدّوا للمَوت، وتطايَر زُجاجُ النّوافذ وعلا غُبارِ البَارود، جلسْتُ أكتُب هذهِ القَصيدة ثمّ أوقَفتُ الإخوةَ وقُلت لهم: كتَبتُ قَصيدةً في الحُور. قالوا: كيفَ لكَ قلبٌ على الكِتابة، وهلْ هَذا وقْتُه؟، قُلتُ: ومَتى إذَن وقتُها؟، وهلْ للحُور وتذكّرِها موضعٌ إلّا هذا الموضِع والوقت؟، وبِالفِعْل أكثرَ من ثُلثَي مَن كانَ مَعيَ قُتِلوا رحِمهُم الله رحمةً واسعة في ثاني يومٍ من هذهِ الجَلسة، أسألُ اللهَ أنْ يجْمعَنا ويتقبّلنا بِرحمَته فِي عِدادِ الشّهداء.
يا لاهثًا خلفَ النِّساءِ جمالِها ... تَرْجو مَتاعًا للفؤادِ يُضَرِّمُ
هلَّا رَأيْتَ الحورَ عِنْدَ تَبَسُّمٍ ... كالبدر وضاءً بليلٍ يُبْهِمُ
لو نَظَرَتْ إليْكَ بِنظْرةِ عاشقٍ ... عَجِبَ الرِّياضُ لخدِّها وأقسمُ
حُسْنًا وسِحرًا لو وصفتَ كأنها ... في وسطِ روضٍ وردةً تَتَكَلّمُ
أو أسدَلَتْ بحَرِيْرِها من خلفها ... يبْدُو كأنَّ الليلَ داجٍ يهْجِمُ
أو أَسبلتْ أجْفانَها بأُنوثةٍ ... قلبًا بعشقٍ لا يخورُ ويُفْصَمُ
وإذا خَطَتْ للحُبّ خُطْوَةَ واثقٍ ... عَرفَ الجمالُ عَوارَهُ لا ينْقِمُ
مرآةُ صفوٍ بل شموسٌ تسطعُ ... نظراتُ عينِيها سِهامٌ تكْلِمُ
وكواعبُ ياقوتٍ هنَّ نواهدٌ ... وتدافئُ الملهوف لا تَتصَنمُ
بَيْنَ الشِّفاهِ حلاوةٌ سكْرٌ بهِ ... بِلِعَابِها ولُعَابُها يتَنْعَّمُ
تَتَحدَّرُ الحبَّاتُ عِنْدَ وِصالِها ... أنشودةُ الآهاتِ ليسَتْ تَرْحَمُ
لا تَشْتَكِي طُوْلَ الوِصَالِ فقُرْبُهُا ... أحلى جَميلًا بالجنانِ يُعْلَمُ
لا للْفُتورِ فَكُلّمَا أتَيتها ... لوجَدْتَها بِكْرًَا ولا تتألّمُ