الحمدُ لله الذي اصطفى العرَب على العالمين، وحفِظ بالقُرآن أمّة نبيّنا الأمين، والقائلِ في مُحكم التنْزيل: {وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} ،
والصّلاة والسّلام على القائِل لشاعره كما في الصّحيح:"إِنَّ مِنْ الشِّعْرِ حِكْمَةً"، والقائِل كما في الصّحيحين عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِحَسَّانَ:"اهْجُهُمْ أَوْ قَالَ هَاجِهِمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ".
ورضي الله عن أصْحابه الذين جاهَدوا المُشركين بالبَيان كما جاهدوهم بالسّنان.
أما بعد:
كنتُ أقرأُ قولَ ابن عبّاس رضي الله عنهُما عنِ الشّعر كما في المُسند بسندٍ صَحيح قال:"إذا خَفي عليكُم شيءٌ من القُرآن فابتغوهُ من الشّعر فإنّه ديوانُ العرب"، فكنتُ أظنّ أنّه يؤرّخ لأيّام الناسِ وتواريخهم ولُغاتهم فحسْب، وإذا بي أعلمُ أنّه يؤرخُ لمشاعرِ العرب وأحاسيسِهم، فكلّما قرأتُ بيتًا كتبتُه منذُ زمنٍ شعرْت أني أعيشُ جوّ النّص، وأرجعُ بأحاسيسي وكلّي إلى تلك الأيّام.
وإنّي أعلمُ وأعرفُ من نّفسي أني لستُ من أهلِ الشّعر وفنونه، وما كنتُ لأغوصَ في بحاره لولا مشاعرَ حملتني على أمواجه، فما كتبتُ كلمةً قطّ إلا ووراءَها ما يحملُني على ذلك.