كنتُ قدْ التقَيتُ بولدي بعدَ فترةٍ طويلة، وصحّ طبعُه بعدَما على العُزلة استقرّ أمرُه، و لمّا حانَ موعدُ ذهابي عنهُ ابتلاهُ وابتلاني الله بأنْ أُصيب بالتهابِ الكبِد الوبائيّ، فاصفرّت عيناهُ وجِسمه وقلّت حركتُه، فأفهَمته أنّي سأذهبُ، فقالَ: أنا أحبّك. قلت: عندي شُغل، قال: ومنْ يأتي بالطّعام لك؟ ومنْ يأتيكَ باللّحم، قلت: الله، يعلم الله أن هذا عينُ قولِ الصّبي ولم يكمِل عامَه الثّالث، ولمّا حانَ وقتُ ذَهابي جعلْتُ منْ يُشغله فقال: لا تذهب، قلت: قريبًا وآتي، نظرتُ إلى عينِه ووجهِه فرأيتُه شاحِبًا مصفرًّا ففاضتْ عيني بالبُكاء ثم كتبتُ:
صِدقُ المحبّةِ في مَحبَّةِ الوَلَدْ
صَدَقَ المَقُولُ فذاكَ خيرٌ أوكَبَدْ
إنّ البُنيَّ للعيونِ ضِياؤُها
حَسْبُ الصَّغيرِ كالفؤادِ من الجَسَدْ
ليتكَ يا بُنيَّ تعلمُ حُبّيَ
إذِا الرٌّفاتُ بِالتُّرابِ كالوَتَد
حبُّ البنين مَسيرُهُ بِدمائنا
وبِالنُّخَاعِ و بالفؤادِ لذا عُقِدْ
أبناؤنا أحلامُنا تَتَجسَّدُ
كلُّ الجميل لهم نُريدُ بلا حَسَدْ
أبناؤنا بِدُعائِهم كَنزٌ لنا
إن صَحَّ مِنّا الدِّينُ بِالكهفِ السَّنَدْ
ـــــــ