-وكذلك اقترنت النجوى بالمنافقين في معظم المواضع. وهذه حقيقة تنفعنا. فالمجتمع المسلم يجب أن يكون بريئا من هذه الظاهرة، وأن يرجع أفراده إليه وإلى قيادتهم العامة بما يخطر لهم من الخواطر، أو بما يعرض لهم من خطط واتجاهات أو مشكلات! والنص القرآني هنا يستثني نوعا من النجوى .. هو في الحقيقة ليس منها، وإن كان له شكلها: «إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ، أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ» ..
وذلك أن يجتمع الرجل الخير بالرجل الخير، فيقول له: هلم نتصدق على فلان فقد علمت حاجته في خفية عن الأعين. أو هلم إلى معروف معين نفعله أو نحض عليه. أو هلم نصلح بين فلان وفلان فقد علمت أن بينهما نزاعا .. وقد تتكون العصبة من الخيرين لأداء أمر من هذه الأمور، وتتفق فيما بينها سرا على النهوض بهذا الأمر. فهذا ليس نجوى ولا تآمرا. ومن ثم سماه «أمرا» وإن كان له شكل النجوى، في مسارة الرجل الخير للخيرين أمثاله بأمر في معروف يعلمه أو خطر له ..
على شرط أن يكون الباعث هو ابتغاء مرضاة الله: «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا» .. فلا يكون لهوى في الصدقة على فلان، أو الإصلاح بين فلان وعلان. ولا يكون ليشتهر الرجل بأنه - والله رجل طيب -! يحض على الصدقة والمعروف، ويسعى في الإصلاح بين الناس! ولا تكون هناك شائبة تعكر صفاء الاتجاه إلى الله، بهذا الخير. فهذا هو مفرق الطريق بين العمل يعمله المرء فيرضى الله عنه ويثيبه به. والعمل نفسه يعمله المرء فيغضب الله عليه، ويكتبه له في سجل السيئات! [1]
وقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [النساء: 114] مَنْ جَاءَ يُنَاجِيكَ فِي هَذَا فَاقْبَلْ مُنَاجَاتَهُ , وَمَنْ جَاءَ يُنَاجِيكَ فِي غَيْرِ هَذَا فَاقْطَعْ أَنْتَ ذَلِكَ عَنْهُ لَا تُنَاجِهِ" [2] "
وعن مُحَمَّدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَدَخَلْنَا، نَعُودُهُ، فَقَالَ لِسَعِيدِ بْنِ حَسَّانَ الْمَخْزُومِيِّ: كَيْفَ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثْتَنِي؟ قَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صَالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ
(1) - [في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود ص: 1123]
(2) - [تفسير ابن أبي حاتم، الأصيل - مخرجا 4/ 1065] (5960)