قَالَ الإِمَامُ رَحِمَهُ اللَّهُ: بَيْعُ الدَّمِ لَا يَجُوزُ، لأَنَّهُ نَجِسٌ، وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ نَهْيَهُ عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ عَلَى أُجْرَةِ الْحَجَّامِ، وَجَعَلَهُ نَهْيَ تَنْزِيهٍ.
وَالنَّهْيُ عَنْ كَسْبِ الأَمَةِ عَلَى وَجْهِ التَّنْزِيهِ، لأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تَكْتَسِبَ بِفَرْجِهَا خُصُوصًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا كَسْبٌ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَجْعَلَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مَعْلُومًا تُؤَدِّيهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ.
وَلَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، لأَنَّهُمَا اشْتَرَكَا فِي الْفِعْلِ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُغْتَبِطًا بِالرِّبْحِ، وَالآخَرُ مُهْتَضَمًا بِالنَّقْصِ.
وَأَرَادَ بِالْمُصَوِّرِ الَّذِي يُصَوِّرُ صُوَرَ الْحَيَوَانِ، دُونَ مَنْ يُصَوِّرُ صُوَرَ الأَشْجَارِ وَالنَّبَاتِ، لأَنَّ الأَصْنَامَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ كَانَتْ عَلَى صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ. [1]
قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10]
يُهَدِّدُ اللهُ تَعَالَى الذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَى بِدُونِ سَبَبٍ مَشْرُوعٍ، وَعَلَى سَبِيلِ الهَضْمِ وَالظُّلْمِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ مَا يَكُون سَبَبًا فِي إِيصَالِهِمْ إلَى نَارِ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامَةِ، أَوْ إنَّهُمْ إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا تَتَأجَّجُ [2]
إن هذا المال .. نار .. وإنهم ليأكلون هذه النار. وإن مصيرهم لإلى النار فهي النار تشوي البطون وتشوي الجلود. هي النار من باطن وظاهر. هي النار مجسمة حتى لتكاد تحسها البطون والجلود، وحتى لتكاد تراها العيون، وهي تشوي البطون والجلود! ولقد فعلت هذه النصوص القرآنية، بإيحاءاتها العنيفة العميقة فعلها في نفوس المسلمين. خلصتها من رواسب الجاهلية. هزتها هزة عنيفة ألقت عنها هذه الرواسب. وأشاعت فيها الخوف والتحرج والتقوى والحذر من المساس - أي مساس - بأموال اليتامى .. كانوا يرون فيها النار التي حدثهم الله عنها في هذه النصوص القوية العميقة الإيحاء. فعادوا يجفلون أن يمسوها ويبالغون في هذا الإجفال!
(1) - [شرح السنة للبغوي 8/ 25]
(2) - [أيسر التفاسير لأسعد حومد ص: 503، بترقيم الشاملة آليا]