فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 401

وَكَمْ مِنْ إظْهَارِ سِرٍّ أَرَاقَ دَمَ صَاحِبِهِ، وَمَنَعَ مِنْ نَيْلِ مَطَالِبِهِ، وَلَوْ كَتَمَهُ كَانَ مِنْ سَطْوَتِهِ آمِنًا، وَفِي عَوَاقِبِهِ سَالِمًا، وَلِنَجَاحِ حَوَائِجِهِ رَاجِيًا.

وَقَالَ أَنُوشِرْوَانَ: مَنْ حَصَّنَ سِرَّهُ فَلَهُ بِتَحْصِينِهِ خَصْلَتَانِ: الظَّفَرُ بِحَاجَتِهِ، وَالسَّلَامَةُ مِنْ السَّطَوَاتِ. وَإِظْهَارُ الرَّجُلِ سِرَّ غَيْرِهِ أَقْبَحُ مِنْ إظْهَارِهِ سِرَّ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبُوءُ بِإِحْدَى وَصْمَتَيْنِ: الْخِيَانَةُ إنْ كَانَ مُؤْتَمَنًا، أَوْ النَّمِيمَةُ إنْ كَانَ مُسْتَوْدَعًا. فَأَمَّا الضَّرَرُ فَرُبَّمَا اسْتَوَيَا فِيهِ وَتَفَاضَلَا. وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ، وَهُوَ فِيهِمَا مَلُومٌ. وَفِي الِاسْتِرْسَالِ بِإِبْدَاءِ السِّرِّ دَلَائِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ مَذْمُومَةٍ: إحْدَاهَا: ضِيقُ الصَّدْرِ، وَقِلَّةُ الصَّبْرِ، حَتَّى أَنَّهُ لَمْ يَتَّسِعْ لِسِرٍّ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى صَبْرٍ. [1]

قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الزَّاهِدُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اكْتُمُوا حَوَائِجَكُمْ، وَلَا تَرْفَعُوهَا إِلَى النَّاسِ، فَإِنَّكُمْ إِنْ رَفَعْتُمُوهَا إِلَيْهِمْ رُبَّمَا يَكُونُ الْمَرْفُوعُ إِلَيْهِ بَعْضَ حُسَّادِكِمْ، فَلَا يُحِبُّ قَضَاءَ الْحَاجَةِ لَكُمْ، فَيَحْسُدُكُمْ عَلَى نِعْمَةِ الْقَضَاءِ، فَيَمْتَنِعُ عَنْهُ، أَوْ يَحْسُدُكُمْ عَلَى النِّعْمَةِ بِأَنْ لَا تَكُونُوا مُحْتَاجِينَ، فَإِذَا أَظْهَرْتُمْ حَاجَتَكُمْ شَمَتَ بِكُمْ، وَانْتَظِرُوا الْفَرَجَ، وَنَجَاحَ الْحَاجَةِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّهُ يُحِبُّ قَضَاءَهَا لَكُمْ إِذَا كُنْتُمْ إِلَيْهِ مُنْقَطِعِينَ، وَبِقَضَائِهِ رَاضِينَ، وَعَلَى كِتْمَانِ حَوَائِجِكُمْ وَضَرُورَاتِكُمْ صَابِرِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: «اسْتَعِينُوا عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ بِالْكِتْمَانِ» أَيِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَجَاحِ الْحَوَائِجِ فِي حَالِ الْكِتْمَانِ لَهَا، أَيْ كُونُوا لَهَا كَاتِمِينَ، وَاسْتَعِينُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَجَاحِهَا، وَيَكُونُ الْبَاءُ الْمَوْصُولَةَ بِالْكِتْمَانِ بِمَعْنَى «فِي» كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ {اسْتَعِينُوا بِالصَّبِرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة: 153] أَيِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ تَعَالَى فِي حَالِ الصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، أَيِ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ، وَكُونُوا صَابِرِينَ مُصَلِّينَ، وَكَأَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَشَارَ إِلَى الصَّبْرِ وَالْقَنَاعَةِ وَالرِّضَا، فَإِنَّ كِتْمَانَ الْحَاجَةِ مِنْ أَحَدِ هَذِهِ الْوُجُوهِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا فَلَا يَرْضَى عَنْهُ حَوْلًا رِضًا مِنْهُ بِقَضَاءِ رَبِّهِ، أَوْ يَكُونَ قَانِعًا سَهْلٌ عَلَيْهِ تَحَمُّلُ الْأَلَمِ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ اخْتِيَارُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ، أَوْ صَابِرًا يَتَجَرَّعُ غُصَصَهُ رَجَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَنْ كَانَتْ إِحْدَى هَذِهِ الْخِصَالِ فِيهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ

(1) - [أدب الدنيا والدين ص: 306] وانظر [بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وشريعة نبوية في سيرة أحمدية 2/ 255]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت