فهرس الكتاب

الصفحة 274 من 401

عَنْ عَامِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ:"الحَلاَلُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى المُشَبَّهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ: كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ، أَلاَ وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلاَ إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ، أَلاَ وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً: إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ، أَلاَ وَهِيَ القَلْبُ" [1]

قَوله:"لا يَعلَمها كَثِير مِنَ النّاس"أَي: لا يَعلَم حُكمها، وجاءَ واضِحًا فِي رِوايَة التِّرمِذِيّ بِلَفظِ"لا يَدرِي كَثِير مِنَ النّاس أَمِنَ الحَلال هِيَ أَم مِنَ الحَرام"ومَفهُوم قَولُه:"كَثِير"أَنَّ مَعرِفَة حُكمها مُمكِن لَكِن لِلقَلِيلِ مِنَ النّاس وهُم المُجتَهِدُونَ، فالشُّبُهات عَلَى هَذا فِي حَقّ غَيرهم، وقَد تَقَع لَهُم حَيثُ لا يَظهَر لَهُم تَرجِيح أَحَد الدَّلِيلَينِ.

قَوله:"فَمَن اتَّقَى المُشَبَّهات"أَي: حَذِرَ مِنها، والاختِلاف فِي لَفظها بَين الرُّواة نَظِير الَّتِي قَبلها لَكِن عِند مُسلِم والإِسماعِيلِيّ"الشُّبُهات"بِالضَّمِّ جَمع شُبهَة.

قَوله:"استَبرَأَ"، بِالهَمزِ بِوزنِ استَفعَلَ مِنَ البَراءَة، أَي: بَرَّأَ دِينه مِنَ النَّقص وعِرضه مِنَ الطَّعن فِيهِ؛ لأَنَّ مَن لَم يُعرَف بِاجتِنابِ الشُّبُهات لَم يَسلَم لِقَولِ مَن يَطعَن فِيهِ، وفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَن لَم يَتَوقَّ الشُّبهَة فِي كَسبه ومَعاشه فَقَد عَرَّضَ نَفسه لِلطَّعنِ فِيهِ، وفِي هَذا إِشارَة إِلَى المُحافَظَة عَلَى أُمُور الدِّين ومُراعاة المُرُوءَة.

قَوله:"ومَن وقَعَ فِي الشُّبُهات"فِيها أَيضًا ما تَقَدَّمَ مِن اختِلاف الرُّواة. واختُلِفَ فِي حُكم الشُّبُهات فَقِيلَ التَّحرِيم، وهُو مَردُود. وقِيلَ الكَراهَة، وقِيلَ الوقف. وهُو كالخِلافِ فِيما قَبل الشَّرع. وحاصِل ما فَسَّرَ بِهِ العُلَماء الشُّبُهات أَربَعَة أَشياء:

أَحَدها: تَعارُض الأَدِلَّة كَما تَقَدَّمَ.

ثانِيها: اختِلاف العُلَماء وهِيَ مُنتَزَعَة مِنَ الأُولَى.

ثالِثها: أَنَّ المُراد بِها مُسَمَّى المَكرُوه لأَنَّهُ يَجتَذِبهُ جانِبا الفِعل والتَّرك.

(1) - [صحيح البخاري 1/ 20] (52) و [صحيح مسلم 3/ 1219] (107 -(1599)

استبرأ لدينه: أي طلب التبري من التهمة والخلاص منها. =مضغة: المضغة: القطعة من اللحم بقدر اللقمة. =الريبة: التهمة ومظان الشبه. =يرتع، رتع حول الحمى: إذا طاف به ودار حوله. =الاجتراء: الاقدام على الشيء، وقلة المبالاة به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت