فهرس الكتاب

الصفحة 305 من 401

واحتَجَّ بِهِ مَن لَم يَرَ القِتال فِي الفِتنَة وهُم كُلّ مَن تَرَكَ القِتال مَعَ عَلِيّ فِي حُرُوبه كَسَعدِ بن أَبِي وقّاص وعَبد الله بن عُمَر ومُحَمَّد بن مَسلَمَةَ وأَبِي بَكرَة وغَيرهم وقالُوا: يَجِب الكَفّ حَتَّى لَو أَرادَ أَحَد قَتله لَم يَدفَعهُ عَن نَفسه. ومِنهُم مَن قالَ لا يَدخُل فِي الفِتنَة فَإِن أَرادَ أَحَد قَتله دَفَعَ عَن نَفسه.

وذَهَبَ جُمهُور الصَّحابَة والتّابِعِينَ إِلَى وُجُوب نَصر الحَقّ وقِتال الباغِينَ، وحَمَلَ هَؤُلاءِ الأَحادِيث الوارِدَة فِي ذَلِكَ عَلَى مَن ضَعُفَ عَن القِتال أَو قَصَرَ نَظَرُهُ عَن مَعرِفَة صاحِب الحَقّ.

واتَّفَقَ أَهل السُّنَّة عَلَى وُجُوب مَنع الطَّعن عَلَى أَحَد مِنَ الصَّحابَة بِسَبَبِ ما وقَعَ لَهُم مِن ذَلِكَ ولَو عَرَفَ المُحِقّ مِنهُم لأَنَّهُم لَم يُقاتِلُوا فِي تِلكَ الحُرُوب إِلاَّ عَن اجتِهاد وقَد عَفا الله تَعالَى عَن المُخطِئ فِي الاجتِهاد، بَل ثَبَتَ أَنَّهُ يُؤجَر أَجرًا واحِدًا وأَنَّ المُصِيب يُؤجَر أَجرَينِ كَما سَيَأتِي بَيانه فِي كِتاب الأَحكام، وحَمَلَ هَؤُلاءِ الوعِيد المَذكُور فِي الحَدِيث عَلَى مَن قاتَلَ بِغَيرِ تَأوِيل سائِغ بَل بِمُجَرَّدِ طَلَب المُلك، ولا يَرِد عَلَى ذَلِكَ مَنع أَبِي بَكرَة الأَحنَف مِنَ القِتال مَعَ عَلِيّ لأَنَّ ذَلِكَ وقَعَ عَن اجتِهاد مِن أَبِي بَكرَة أَدّاهُ إِلَى الامتِناع والمَنع احتِياطًا لِنَفسِهِ ولِمَن نَصَحَهُ وسَيَأتِي فِي الباب الَّذِي بَعدَهُ مَزِيد بَيان لِذَلِكَ إِن شاءَ الله تَعالَى.

قالَ الطَّبَرِيُّ: لَو كانَ الواجِب فِي كُلّ اختِلاف يَقَع بَينَ المُسلِمِينَ الهَرَب مِنهُ بِلُزُومِ المَنازِل وكَسر السُّيُوف لَما أُقِيمَ حَدّ ولا أُبطِلَ باطِل، ولَوجَدَ أَهل الفُسُوق سَبِيلًا إِلَى ارتِكاب المُحَرَّمات مِن أَخذ الأَموال وسَفك الدِّماء وسَبي الحَرِيم بِأَن يُحارِبُوهُم ويَكُفّ المُسلِمُونَ أَيدِيهم عَنهُم بِأَن يَقُولُوا هَذِهِ فِتنَة وقَد نُهِينا عَن القِتال فِيها وهَذا مُخالِف لِلأَمرِ بِالأَخذِ عَلَى أَيدِي السُّفَهاء انتَهَى. [1]

وعَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ

(1) - [فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة 13/ 33]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت