وَوَجْهُ الْقِيَاسِ أَنَّ تَحْرِيمَ النَّظَرِ لِكَوْنِهِ سَبَبًا دَاعِيًا إِلَى الْفِتْنَةِ، وَاللَّمْسُ الَّذِي فِيهِ الْمُصَافَحَةُ أَعْظَمُ أَثَرًا فِي النَّفْسِ، وَأَكْثَرُ إِثَارَةً لِلشَّهْوَةِ مِنْ مُجَرَّدِ النَّظَرِ بِالْعَيْنِ، قَال النَّوَوِيُّ: وَقَدْ قَال أَصْحَابُنَا كُل مَنْ حُرِّمَ النَّظَرُ إِلَيْهِ حُرِّمَ مَسُّهُ، بَل الْمَسُّ أَشَدُّ، فَإِنَّهُ يَحِل النَّظَرُ إِلَى أَجْنَبِيَّةٍ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَلاَ يَجُوزُ مَسُّهَا. [1]
مُصَافَحَةُ الصِّغَارِ:
لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ لَمْسَ الصِّغَارِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ، سَوَاءٌ فِي حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ أَمْ فِي حَالَةِ اخْتِلاَفِهِ، وَسَوَاءٌ أَبَلَغَ الصِّغَارُ حَدَّ الشَّهْوَةِ أَمْ لَمْ يَبْلُغُوهَا، وَمِنَ اللَّمْسِ الْمُصَافَحَةُ، وَمِنْ شُرُوطِ مَشْرُوعِيَّةِ الْمُصَافَحَةِ عَدَمُ خَوْفِ الْفِتْنَةِ.
فَإِنْ كَانَ اللَّمْسُ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ وَكَانَ الصَّغِيرُ أَوِ الصَّغِيرَةُ مِمَّنْ لاَ يُشْتَهَى جَازَ لَمْسُهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، سَوَاءٌ اتَّحَدَ الْجِنْسُ أَمِ اخْتَلَفَ، لِعَدَمِ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي هَذِهِ الْحَال، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَبِنَاءً عَلَيْهِ تَحِل مُصَافَحَتُهُ مَا دَامَتِ الشَّهْوَةُ مُنْعَدِمَةً، لأَِنَّهَا نَوْعٌ مِنَ اللَّمْسِ فَتَأْخُذُ حُكْمَهُ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْهِدَايَةِ بِجِوَازِ مُصَافَحَةِ الصَّغِيرَةِ الَّتِي لاَ تُشْتَهَى. وَأَمَّا إِذَا بَلَغَ الصَّغِيرُ أَوِ الصَّغِيرَةُ حَدَّ الشَّهْوَةِ فَحُكْمُهُ مِنْ حَيْثُ اللَّمْسُ كَحُكْمِ الْكِبَارِ. [2]
وَالْمُصَافَحَةُ مِثْلُهُ، فَيُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ حَالَةِ اتِّحَادِ الْجِنْسِ وَحَالَةِ اخْتِلاَفِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الصَّغِيرَ ابْنَ ثَمَانِ سَنَوَاتٍ فَأَقَل يَجُوزُ مَسُّهُ وَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، فَإِنْ زَادَ عَنْ هَذِهِ السِّنِّ أَخَذَ حُكْمَ الرِّجَال فِي الْمَسِّ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَإِنْ لَمْ تَتَجَاوَزْ سِنَّ الرَّضَاعِ جَازَ مَسُّهَا، وَإِنْ جَاوَزَتْ سِنَّ الرَّضَاعِ وَكَانَتْ مُطِيقَةً (أَيْ مُشْتَهَاةً) حَرُمَ مَسُّهَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُطِيقَةً فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ. [3]
(1) - الأذكار ص228، وانظر مثل هذا في الهداية 4/ 64.
(2) - الفتاوى الهندية 5/ 329، وتكملة فتح القدير 8/ 99، والمغني 7/ 462، ومغني المحتاج 3/ 130، وشرح المنهاج والقليوبي 3/ 109، 111، الهداية 4/ 62.
(3) - الخرشي 2/ 131، [الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية 37/ 359]