فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 401

وَبِنَاءً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ رَأَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَدَّدَ أَوَّلًا وَأَمَرَ بِكَسْرِ الأَْوْثَانِ وَلَطَّخَ الصُّوَرَ، ثُمَّ لَمَّا عُرِفَ ذَلِكَ الأَْمْرُ وَاشْتَهَرَ رَخَّصَ فِي الصُّوَرِ الْمُسَطَّحَةِ وَقَال: إِلاَّ رَقْمًا فِي ثَوْبٍ.

الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ الْعِلَّةَ مُجَرَّدُ الشَّبَهِ بِفِعْل الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَنْحِتُونَ الأَْصْنَامَ وَيَعْبُدُونَهَا، وَلَوْ لَمْ يَقْصِدِ الْمُصَوِّرُ ذَلِكَ، وَلَوْ لَمْ تُعْبَدِ الصُّورَةُ الَّتِي يَصْنَعُهَا، لَكِنَّ الْحَال شَبِيهَةٌ بِالْحَال. كَمَا نُهِينَا عَنِ الصَّلاَةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا؛ لِئَلاَّ نَكُونَ فِي ذَلِكَ مِثْل مَنْ يَسْجُدُ لَهَا حِينَئِذٍ. كَمَا قَال النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ" [1] "

فَكُرِهَتِ الصَّلاَةُ حِينَئِذٍ لِمَا تَجُرُّهُ الْمُشَابَهَةُ مِنَ الْمُوَافَقَةِ. أَشَارَ إِِلَى هَذَا الْمَعْنَى ابْنُ تَيْمِيَّةَ. وَنَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ حَجَرٍ حَيْثُ قَال: إِنَّ صُورَةَ الأَْصْنَامِ هِيَ الأَْصْل فِي مَنْعِ التَّصْوِيرِ لَكِنْ إِِذَا قِيل بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فَهِيَ لاَ تَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنَ الْكَرَاهَةِ. [2]

الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّ وُجُودَ الصُّورَةِ فِي مَكَان يَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ إِلَيْهِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّصُّ عَلَى ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ عَلِيٍّ.

وَرَدَّ التَّعْلِيل بِهَذَا كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمُ الْحَنَابِلَةُ، كَمَا يَأْتِي، وَقَالُوا: إِنَّ تَنْصِيصَ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ لاَ تَدْخُل بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ لاَ يَقْتَضِي مَنْعَ التَّصْوِيرِ، كَالْجَنَابَةِ، فَإِِنَّهَا تَمْنَعُ دُخُول الْمَلاَئِكَةِ أَيْضًا لِمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَا كَلْبٌ، وَلَا جُنُبٌ» [3] فَلاَ يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ مَنْعُ الْجَنَابَةِ.

(1) - [صحيح مسلم 1/ 569] 294 - (832)

(2) -اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، (القاهرة، مطبعة أنصار السنة المحمدية، 1369 هـ) ص 63، وفتح الباري 10/ 395. وفي مجلة المنار قال الشيخ محمد رشيد رضا إن هذه هي العلة الحقيقية في التحريم (سنة 1320 هـ المجلد 5/ 140) .

(3) - [السنن الكبرى للنسائي 1/ 172] (253) و [صحيح ابن حبان - مخرجا 4/ 5] (1205) حسن

قَالَ الإِمَامُ: وَإِنْ ثَبَتَ الْحَدِيثُ، فَالنَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ أَحْيَانًا لِيَدُلَّ عَلَى الرُّخْصَةِ، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ فِي أَغْلَبِ أَحْوَالِهِ لِيَدُلَّ عَلَى الْفَضِيلَةِ.

قَالَ الإِمَامُ: وَهَذِهِ الأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا أَخَرَّ الْغُسْلَ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «لَا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلا كَلْبٌ وَلا جُنُبٌ» ، وَهَذَا فِيمَنْ يَتَّخِذُ تَأْخِيرَ الاغْتِسَالِ عَادَةً، تَهَاوُنًا بِهِ، فَيَكُونُ أَكْثَرَ أَوْقَاتِهِ جُنُبًا، وَأَرَادَ بِالْمَلائِكَةِ: الَّذِينَ يَنْزِلُونَ بِالْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، دُونَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ هُمُ الْحَفَظَةُ، فَإِنَّهُمْ لَا يُفَارِقُونَ الْجُنُبَ وَغَيْرَ الْجُنُبِ. [شرح السنة للبغوي 2/ 36]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت